مشهد يتكرر كل عام مع انطلاق صفارة نهاية آخر اختبار في العام الدراسي، يتحول محيط العديد من المدارس إلى ما يشبه ساحة معركة غطتها الثلوج الورقية. صفحات ممزقة، كتب ملقاة في الحاويات أو مبعثرة على الأرصفة، وطلاب يركضون فرحاً وهم يلقون بـ “عبء” شهور مضت في الهواء.
هذا المشهد الذي يتكرر سنوياً في العديد من مدارس المحافظات السورية، لم يعد مجرد تعبير “عفوي” عن الفرح، بل تحول إلى ظاهرة تطرح علامات استفهام مقلقة حول علاقة الطالب بكتابه، وبالمؤسسة التعليمية بشكل عام.
لكن متى يتوقف هذا الهدر، وتتحول فرحة النجاح إلى سلوك حضاري؟ ولماذا يمزقون الكتب؟ يرى الباحث الاجتماعي صالح خير الدين في تصريحات لـ”963+” أن الكتاب في وعي الطالب ليس وعاءً للمعرفة، بل رمزاً للضغط والقيد، وتمزيقه فعل رمزي يعني “انتهى الكابوس” وهو ما يمكن تسميته “التفريغ الانفعالي” وعلم النفس يسمّي هذا “الإزاحة العدوانية” عدوان لا يُوجَّه نحو المعلم أو النظام التعليمي، فيُوجَّه نحو الورق.
ويضيف أن الطالب لا يمزّق الكتاب كرهاً في المعرفة، بل لأن أحداً لم يُقنعه يوماً أن الكتاب والمعرفة شيء واحد، وحين تنجح التربية في ترسيخ هذا، تتحوّل نهاية العام من “طقس تدمير” إلى لحظة امتنان أو على أقل تقدير، لحظة حياد هادئ.
ويلفت إلى أن العدوى الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً فحين يبدأ أحدهم، يتحوّل السلوك إلى احتفال جماعي، وهنا الانتماء للمجموعة أقوى من أي قيمة مكتسبة بشكل سطحي، وهي ما يعرف بـ”سيكولوجية الحشد” حيث ينجرّ الطلاب وراء رفقائهم دون تفكير عقلاني، تعززها رغبة عارمة في تصدير لقطات “استعراضية” على منصات التواصل الاجتماعي لكسب التفاعل، هذا إضافة إلى غياب الصلة العاطفية بالكتاب، فالطالب الذي أحبّ كتاباً لا يمزّقه، والمشكلة أن المناهج في كثير من الأحيان لا تصنع “علاقة”، بل تفرض “واجباً”.
ويشير خير الدين إلى وجود رسالة احتجاجية غير واعية من الطلاب، فأحياناً التمزيق ليس فرحاً خالصاً، بل “غضب مكبوت” من نظام تعليمي يشعر الطالب أنه لم يمنحه شيئاً حقيقياً، وهنا تمزيق الكتب هو تفريغ لـ ‘كبت’ وتوتر تراكم طوال العام، فعندما يربط الطالب الكتاب بالخوف، العقاب، وحفظ المعلومات قسراً من أجل ‘صبّها’ في ورقة الامتحان ثم نسيانها، يصبح الكتاب بالنسبة له عدواً رمزيّاً، وهنا السلوك تخريبي في ظاهره، لكنه في عمقه صرخة احتجاج ضد طريقة التعلم التقليدية.
صوت الطلبة.. لماذا تمزق كتابك؟!
للوقوف على أسباب الظاهرة، التقى “963+” بمجموعة من الطلاب فور خروجهم من قاعات لامتحانات: يقول أحمد (14 عاماً): تمزيق الكتاب ليس كرهاً في العلم، بل هو إعلان حرية، فطوال تسعة أشهر وهذا الكتاب يمثل ضغطاً نفسياً، وخوفاً من الرسوب، وسهراً وإجباراً، وعندما أمزقه، أشعر أنني تخلصت من القيود”.
أما سارة (15 عاماً) فترى أن البعض يفعل ذلك تقليداً أعمى للأكبر سناً أو رغبة في لفت الانتباه وتصوير مقاطع لوسائل التواصل الاجتماعي (تيك توك) فقد أصبح الأمر وكأنه طقس من طقوس نهاية الدراسة.
ويوضح خالد (17 عاماً): المشكلة أننا نعلم أن هذه الكتب لن تفيدنا العام المقبل، فالمناهج تتغير أو ننتقل لمرحلة جديدة، والمدارس لا تطلب منا استعادتها، فلماذا نحتفظ بها؟.
وتقول سمر (10 أعوام): لا أعلم لماذا أفعل ذلك، رأيتهم يفعلون وهم فرحون ففعلت مثلهم وشاركتهم الفرح.
المقارنة الغائبة
في الوقت الذي تشهد فيه شوارعنا هدر الثروة الورقية، نجد تجارب مغايرة تماماً في دول أخرى تعكس عمق الوعي بقيمة المورد والكتاب، وفي هذا يقول الأكاديمي والخبير التربوي قصي العبدالكريم يقيم في السويد في تصريحات لـ”٩٦٣+” أنه في السويد “ملكية الكتاب” ملكية عامة للمدرسة يُسلم للطالب “عهدة” ويستلمه الجيل القادم، ويُعاد الكتاب نهاية العام نظيفاً ومجلداً، ويُحاسب الطالب أو ولي أمره إن أُتلف، ويكون الرابط العاطف بين الطالب والكتاب كأداة للمعرفة واكتشاف الشغف، بينما يُعامل كملكية شخصية مؤقتة في بلادنا تنتهي صلاحيتها بانتهاء الامتحان، ويكون الكتاب في نهاية العام ممزقاً، مهملاً، أو ملقى في النفايات، فهو مصدر للقلق والتوتر النفسي.
ويجيب العبدالكريم عن سؤال: متى تتحول الفرحة إلى سلوك حضاري؟ باقتراح (خارطة طريق للحل) فتحويل هذا السلوك السلبي إلى ممارسة حضارية تعكس احترام العلم ليس مستحيلاً، ولكنه يتطلب تضافر جهود ثلاثة أطراف رئيسية هي: المنظومة التعليمية، الأسرة، والإعلام.
ويرى الخبير التربوي أن البداية تكون بإعادة صياغة علاقة الطالب بالمدرسة (دور الوزارة والمدارس) بالتحول نحو “التعليم القائم على المشاريع” عندما يتوقف التعليم عن كونه “حفظاً وتلقيناً للامتحان فقط”، سيزول الاحتقان النفسي تجاه الكتاب، ثم تطبيق نظام “استرداد الكتب” ربط إعلان النتائج أو تسليم الشهادات بإعادة الكتب المدرسية بحالة جيدة لإعادة تدويرها أو منحها لطلاب الأعوام القادمة، وممكن الاستفادة من مبادرات التدوير الفوري، بوضع حاويات مخصصة وجاذبة داخل أسوار المدرسة تحت شعار “كتابي يخدم غيري” أو “شكراً كتابي”، وفرزها لإرسالها لمصانع الورق أو الجمعيات الخيرية.
ويقترح العبدالكريم في (دور الأسرة) زرع القيم وبناء القدوة، ويجب أن يتوقف أولياء الأمور عن إظهار التذمر من الكتب والمذاكرة أمام أبنائهم، وتوجيه الأبناء قبل الخروج لآخر امتحان وتذكيرهم بأن “احترام الكتاب من احترام الذات”، ومشاركتهم فرحة النجاح بأساليب إيجابية (كالرحلات، الهدايا، أو الاحتفالات العائلية) بدلاً من تركهم للشارع.
ويلفت إلى أهمية التوعية الرقمية والشبابية (دور الإعلام والمؤثرين) بإطلاق حملات إعلامية ذكية تقودها شخصيات محبوبة لدى الشباب على منصات (تيك توك وإنستغرام) تظهر السلوك الحضاري في التعامل مع نهاية العام كنوع من “الوعي والأناقة الفكرية”، ومحاربة مقاطع التمزيق والاستهزاء بها بدلاً من تداولها كـ “تريند” مضحك.
ويختم العبدالكريم بالقول: إن الفرح بنهاية العام الدراسي وحصاد التعب حق مشروع لكل طالب وطالبة، بل هو مطلوب لتجديد الطاقة، لكن الفرح الحقيقي هو الذي يتوج بـ”الارتقاء الإنساني”، لا بترك تلال من الأوراق الممزقة التي تعكس صورة مشوهة عن جيل تنفق البلد الملايين لتعليمه.
لن تنتهي هذه الظاهرة بقرار عقابي زاجر فحسب، بل ستنتهي عندما يدرك الطالب أن محتوى هذا الكتاب هو الذي بنى عقله، وأن احترامه للمدرسة هو أول خطوة في احترامه لمستقبله، فهل نشهد في الأعوام المقبلة شوارع خالية من “الورق الممزق”، ومليئة بـ “وعي” جيل جديد؟ الإجابة معلقة بين جدران المدارس والبيوت.










