حين يتقاعد الموظف، لا يغادر عمله فقط، بل يغادر مرحلة كاملة من الإنتاج والعطاء، متكئاً على وعدٍ ضمني من الدولة: أن ما اقتُطع من راتبه طوال سنوات الخدمة سيعود إليه يوماً، في صورة معاش يضمن له حياة كريمة. لكن هذا الوعد، في كثير من الحالات، بات موضع تساؤل حاد: هل معاش التقاعد حقٌ مكتسب يُصرف بقيمته الحقيقية، أم أنه يتحول بمرور الزمن إلى مبلغٍ رمزي يفقد جوهره؟
معاش التقاعد: وديعة أم التزام إداري؟
يرى الخبير الاقتصادي محمد العواد في تصريحات لـ”963+” أن توصيف معاش التقاعد باعتباره “وديعة” ليس مجرد تعبير مجازي، بل له أساس قانوني وأخلاقي، فالموظف لم يكن يتبرع بجزء من راتبه، بل كان يقتطع منه قسراً ضمن نظام إلزامي، مقابل التزام الدولة بإعادته لاحقاً في شكل معاش، والاشتراكات التقاعدية هي في جوهرها أموال خاصة أُديرت من قبل الدولة، وليست إيرادات عامة تُصرف وفق المزاج المالي، هذا يضع على الدولة مسؤولية مضاعفة، لأنها لا تدير مالها بل مال مواطنيها.
ويضيف العواد لكن الإشكالية تبدأ حين يُصرف هذا “المال المؤجل” بقيمته الاسمية، لا بقيمته الحقيقية، في ظل التضخم وتدهور القدرة الشرائية، ففي كثير من الدول، تنص القوانين على ربط المعاشات بمؤشرات معينة، مثل التضخم أو الأجور، لضمان الحفاظ على قيمتها، ولكن في الواقع، تتسع الفجوة بين النص والتطبيق، وهذا التناقض يعكس خللاً في آلية احتساب المعاش، إذ غالباً ما يُحتسب بناءً على رواتب قديمة، دون تعديل كافٍ يواكب التغيرات الاقتصادية.
ويؤكد العواد: أن التضخم هو العامل الأكثر تآكلاً لقيمة المعاشات، فالمبلغ الذي كان يمثل قيمة معتبرة قبل عشرين عاماً، قد لا يساوي اليوم سوى نسبة ضئيلة من قوته الشرائية، وإذا لم تُربط المعاشات بمؤشر التضخم، فإنها تتحول عملياً إلى اقتطاع قسري بلا عائد عادل، هذا يفرغ فكرة التقاعد من مضمونها، وفي حالات الأزمات الاقتصادية أو انهيار العملة، يصبح الأمر أكثر تعقيداً، حيث تتآكل المدخرات التقاعدية بشكل شبه كامل.
اقرأ أيضاً: أسعارٌ مضاعفة وراتب الموظف الحكومي يكفي لإفطار يومين.. كيف يستقبل السوريون رمضان؟ – 963+
عقد إذعان.. أم عقد ثقة؟
يصف بعض القانونيين نظام التقاعد بأنه أقرب إلى “عقد إذعان”، حيث لا يملك الموظف خياراً في القبول أو الرفض، بل يُفرض عليه النظام بشروطه.
لكن في المقابل، يرى آخرون أنه “عقد ثقة” بين المواطن والدولة، يقوم على مبدأ التكافل والاستمرارية، وهنا تبرز الإشكالية: عندما تختل هذه الثقة، يتحول النظام بأكمله إلى عبء اجتماعي بدلاً من كونه شبكة أمان.
ويطرح كثير من المتقاعدين سؤالاً: ماذا حدث للأموال التي اقتُطعت منهم؟؛ يقول خالد الحسيني “مدير سابق في التأمينات الاجتماعية” في تصريحات لـ”963+” في الأنظمة السليمة، تُدار صناديق التقاعد بشكل مستقل، وتُستثمر لتحقيق عوائد تضمن استدامتها، لكن في بعض الحالات، تُدمج هذه الأموال في الموازنات العامة، ما يجعلها عرضة للاستخدام في تغطية عجز مالي أو نفقات أخرى، وغياب الشفافية في إدارة أموال التقاعد يفتح الباب أمام فقدان الثقة، فالمتقاعد لا يعرف أين ذهبت أمواله، ولا كيف تُدار.
يتساءل سمير الرجب موظف متقاعد (65 عاماً) في حديثه لـ”963+”: “خدمت أكثر من 30 سنة، واليوم أعتمد على أولادي. هل هذا هو الأمان الذي وُعدنا به؟”
بينما يصف غسان جبارة “متقاعد سبعيني” حاله قائلاً: “كنت أظن أنني أستلم ثمرة تعبي، لكنني اكتشفت أن معاشي لا يكفي لأيام قليلة. ما اقتُطع مني كان يكفي للعيش، أما اليوم فهو بالكاد يسد الرمق”.
ويضيف علي العلي “موظف شاب”: “ما أراه اليوم يجعلني لا أثق بأنني سأحصل على شيء حقيقي في المستقبل”.
اقرأ أيضاً: الشرع يصدر مرسومين بزيادة رواتب العاملين في القطاعين العام والمشترك – 963+
تجارب دولية: كيف تُحمى المعاشات؟
يشير الحسيني إلى أنه في عدد من الدول، تم تطوير أنظمة تقاعدية أكثر عدالة، تعتمد على ربط المعاشات بالتضخم بشكل دوري، وإدارة مستقلة وشفافة لصناديق التقاعد، مع تنويع الاستثمارات لضمان الاستدامة، وإشراك ممثلي العمال في إدارة الصناديق، وهذه الإجراءات ساهمت في تحويل المعاش من عبء مالي إلى أداة استقرار اجتماعي.
ويرى الحسيني أن إصلاح نظام التقاعد يتطلب خطوات جادة، أبرزها، إعادة احتساب المعاشات بما يتناسب مع القيمة الحالية للنقود، وربط المعاشات بمؤشرات اقتصادية واضحة، وضمان استقلالية صناديق التقاعد، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن باعتبار معاش التقاعد ليس منّة، ولا إعانة، بل هو حقٌ مكتسب، ومالٌ مُؤتمن عليه، وحين يُفرَّغ هذا الحق من مضمونه، لا يُظلم المتقاعد فقط، بل تُصاب فكرة العدالة الاجتماعية في جوهرها.










