تشهد المنطقة منذ أسابيع تصعيداً عسكرياً غير مسبوق على خلفية الحرب المتواصلة بين إسرائيل وإيران، والتي توسعت لتشمل جبهات عدة في الشرق الأوسط، أبرزها لبنان حيث تتصاعد المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله”.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، تتواصل الضربات المتبادلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وسط تقديرات تشير إلى مئات العمليات الهجومية المتبادلة بين الطرفين وتزايد المخاوف من انزلاق الصراع إلى حرب إقليمية واسعة.
وفي هذا السياق، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية على الجبهة اللبنانية، بما في ذلك توسيع انتشار قواتها قرب الحدود وتنفيذ ضربات على مواقع للحزب، بينما يواصل حزب الله إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل في إطار ما يسميه دعم إيران في المواجهة القائمة.
بالتوازي مع ذلك، اتخذت سوريا إجراءات عسكرية وأمنية على حدودها مع لبنان والعراق، عبر تعزيز انتشار قوات حرس الحدود ووحدات الاستطلاع، في خطوة تقول دمشق إنها تهدف إلى ضبط الحدود ومنع أي نشاط عسكري أو عمليات تهريب قد تربطها بالصراع الدائر في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تحاول فيه دمشق اتباع سياسة “الحياد الدفاعي” وتجنب الانخراط المباشر في الحرب الإقليمية، رغم الضغوط المتزايدة ومحاولات بعض الأطراف توسيع رقعة المواجهة لتشمل جبهات إضافية.
ضمن هذا المشهد المتوتر، تتزايد الأسئلة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستنجح في البقاء خارج دائرة الصراع، أو أن التطورات الميدانية قد تدفعها إلى مواجهة مباشرة مع أطراف إقليمية، وهو ما يفتح الباب أمام تحليلات متعددة حول دلالات الحشود العسكرية على الحدود السورية اللبنانية ومستقبل المعركة في المنطقة.
اقرأ أيضاً: سوريا… الحلقة التاريخية السابقة بين إيران و”حزب الله” في مرحلة ما بعد الأسد
سوريا تحشد لمنع تهريب السلاح لا للحرب
يقول أمين محمد بشير، محامٍ ومحلل سياسي يقيم في بيروت، في حديثه لـ”963+”، إنه لا يعتقد أن التعزيزات على الحدود السورية اللبنانية تعني تدخلاً سورياً في مسار المعركة. ويوضح أن بعض جمهور ما يُعرف بمحور الممانعة وبيئة “حزب الله” يحاول تصوير هذه الحشود على أنها استعداد للدخول في المواجهة، أو كما يروّج في سرديته بأنها وسيلة لشدّ عصب بيئته الشعبية.
ويرى بشير أن البعض يحاول الإيحاء بأن الرئيس أحمد الشرع يريد الدخول في المعركة والأخذ بالثأر مما فعله “حزب الله” عند تدخله في سوريا سابقاً. لكنه يلفت إلى أن الرئيس الشرع كان واضحاً منذ بداية الإدارة السورية الجديدة، حيث أكد أن هذا الملف مغلق بالنسبة لدمشق، وأنها لن تدخل إلى لبنان بهدف الانتقام أو محاسبة عناصر الحزب.
ويعلل ذلك بأن دمشق تحترم السيادة اللبنانية، كما أنها لا تريد في المقابل أن يتدخل أي طرف في الأراضي السورية، احتراماً لسيادة الدولة السورية أيضاً.
ويضيف بشير أن هذه الحشود العسكرية على الحدود هدفها الأساسي حماية الحدود. ويشير إلى أن أهم وظيفة لهذه القوات هي منع أي خرق قد يقوم به “حزب الله” لإعادة فتح خط الإمداد الأساسي الذي كان يربطه بإيران عبر الأراضي السورية وصولاً إلى بيروت.
ويشرح أن هذا الخط كان الشريان الرئيسي لتزويد الحزب بالسلاح، وقد خسره بعد سقوط النظام السابق في سوريا.
ويتابع موضحاً أن “حزب الله” يحاول اليوم إيجاد ثغرات في هذا الجدار الأمني لإعادة فتح هذا الطريق، وربما بمساعدة خلايا أو عناصر لا تزال موالية له داخل سوريا.
ويعتقد أن هذه المحاولات تأتي لأن الحزب، في حال طالت الحرب، سيواجه مشكلة في مخازن السلاح التي قد تنفد تدريجياً، ما يجعله بحاجة إلى إمدادات جديدة من إيران.
ويشير إلى أن هذا الطريق البري عبر سوريا أصبح تقريباً المنفذ الوحيد المتاح بعد إغلاق المنافذ الأخرى، مثل المطار والمرفأ، بسبب الوجود الأميركي المباشر ومراقبة هذه المرافق.
ويضيف أن الحدود السورية اللبنانية هي المسار الوحيد الذي قد يعتقد الحزب أنه قادر على اختراقه، ولذلك جاءت هذه الحشود العسكرية السورية لمنع ذلك تحديداً.
وفي هذا السياق، يفسر بشير الاتصالات التي أجراها الرئيس الشرع مع القيادة اللبنانية، سواء مع رئيس الجمهورية أو مع بعض القيادات السياسية في لبنان.
ويشير إلى أن الرئيس الشرع كان قد اتخذ سابقاً قراراً بعدم الانخراط في أي تواصل سياسي مباشر مع القيادات اللبنانية، تجنباً لزج اسمه أو موقفه في الصراع الداخلي اللبناني. إلا أنه، كما يوضح، اضطر إلى إجراء هذه الاتصالات بعد تصاعد خطاب “حزب الله” والتهويل الإعلامي، خصوصاً محاولات تخويف المسيحيين في لبنان من احتمال دخول الجيش السوري إلى لبنان.
ويعتقد بشير أن هذه الاتصالات جاءت بهدف طمأنة اللبنانيين والتأكيد على ثوابت السياسة السورية، التي تقوم على علاقات ندية وطبيعية بين الدولة السورية والدولة اللبنانية، وهو أمر يرى أنه قد يحدث لأول مرة بهذا الشكل منذ نحو خمسين عاماً.
أما بشأن احتمال تدخل سوريا في الصراع الإقليمي، فيتساءل بشير: هل يمكن أن يُفرض على سوريا الدخول في هذا الصراع؟ ويعتقد أن هناك بالفعل محاولة من إيران، عبر “حزب الله”، لإدخال سوريا في المواجهة بهدف خلط الأوراق، وربما أيضاً لإعادة الفوضى إلى الداخل السوري.
لكنه يوضح أن الرئيس الشرع، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، على دراية بهذه المحاولات، ويعتقد أن واشنطن لن تشجع دمشق على الدخول في هذا الصراع. ويعلل ذلك بأن أي تدخل من هذا النوع قد يحول الحرب إلى صراع سني ـ شيعي، وهو أمر لا تريده القوى الدولية أو الإقليمية، بينما ترى إيران في مثل هذا السيناريو فرصة لتأجيج الفوضى في المنطقة.
ويضيف أن إيران قد تحاول، إذا اشتدت الضغوط عليها، إشعال المنطقة بالكامل، وفق ما يعبّر عنه البعض بقولهم: “عليّ وعلى أعدائي”.
ويشير إلى أن هذا التهديد كان حاضراً دائماً في خطاب محور إيران، الذي لوّح مراراً بإحراق المنطقة في حال اندلاع حرب مباشرة ضد طهران.
ويستدل بشير على ذلك بما حدث من قصف طال دولاً عربية، رغم أن هذه الدول لم تدخل في مواجهة مع إيران، بل على العكس كانت هناك اتفاقات تهدف إلى تهدئة التوتر، مثل الاتفاق السعودي الإيراني، إضافة إلى العلاقات التجارية بين إيران والإمارات وقطر. ومع ذلك، يشير إلى أن الصواريخ طالت هذه الدول، ولم تقتصر على القواعد أو المواقع الأميركية، بل أصابت أيضاً بنى تحتية ومناطق سكنية.
ويرى أن هذا السلوك يعكس محاولة إيرانية لتأجيج الصراع الطائفي واستدراج الدول العربية إلى الرد، بما يؤدي إلى توسيع رقعة الحرب وخلط الأوراق.
ويعتقد أن إيران تراهن أيضاً على وجود جماعات موالية لها داخل بعض هذه الدول، بحيث يؤدي التصعيد إلى عدم استقرار داخلي في تلك المجتمعات، وهو ما قد يمنح النظام الإيراني فرصة لتخفيف الضغوط عنه.
وبخصوص السيناريو العسكري المحتمل، يعتقد بشير أن الاجتياح البري الإسرائيلي لجنوب لبنان يبقى احتمالاً قائماً، وربما يتم بدعم أميركي إذا اقتضت الضرورة. لكنه يشير إلى أنه لن تكون هناك مشاركة من الجيش اللبناني أو الجيش السوري، ولا حتى من أحزاب لبنانية أخرى، وذلك لتجنب تحويل الصراع إلى مواجهة طائفية أو دينية قد تخدم الرواية الإيرانية.
ويرى أن المعركة ستبقى على الأرجح محصورة بين إسرائيل وحزب الله، مع احتمال تقديم دعم أميركي محدود لإسرائيل إذا تطلب الأمر.
ويضيف أن الهدف المعلن لدى الولايات المتحدة وإسرائيل هو إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، في حين تحاول طهران تحويل الصراع إلى حرب إقليمية واسعة، وربما إلى مواجهة عالمية إذا استطاعت.
ويشير إلى أن معظم الدول، العربية والأجنبية، التي شاركت في ضرب إيران مارست أقصى درجات ضبط النفس، وحرصت على عدم الانجرار إلى السيناريو الذي تريده طهران، أي توسيع نطاق الحرب.
اقرأ أيضاً: سوريا.. هل تحولت من ممر إمداد إلى ورقة تفاوض سياسي؟
دمشق تتمسك بسياسة النأي بالنفس
يقول خالد خليل، الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية، في حديثه لـ”963+”، إن سوريا نجحت حتى الآن في تجنب النتائج المباشرة للحرب الإقليمية الدائرة حالياً. ويوضح أن جميع الأطراف، سواء إسرائيل أو إيران، تحاول توسيع رقعة الصراع وجر المنطقة إلى حرب مدمرة، لكن موقف دمشق كان واضحاً منذ البداية بعدم الانخراط في هذه الحرب.
ويشير خليل إلى أن دمشق أعلنت صراحة أنها لن تكون ممراً للأسلحة ولن تكون جزءاً من هذا الصراع، كما أعلنت وقوفها إلى جانب الدول العربية التي تعرضت لاعتداءات من قبل النظام الإيراني، الذي يعتقد أنه يعيش لحظاته الأخيرة.
ويضيف أن دمشق تحاول تجنب الصراع وعدم الانجرار إلى الاستفزازات من أي طرف، سواء إسرائيل أو إيران ممثلة بحزب الله. ويرى أن انخراط حزب الله في الحرب يمثل محاولة لإطالة أمد الصراع، بهدف منح النظام الإيراني مزيداً من الوقت وإظهار نفسه بمظهر المنتصر.
ويلفت خليل إلى أن حزب الله صعّد عملياته مؤخراً، حيث وصلت صواريخه إلى عمق الأراضي الإسرائيلية، في حين عملت دمشق على المستوى السياسي والدبلوماسي على تأكيد موقفها الرافض للحرب.
أما عسكرياً، فيوضح أن سوريا أعلنت منذ الأيام الأولى حالة تأهب عسكري على الحدود، خصوصاً مع لبنان والعراق، تحسباً لأي طارئ، ولمنع استخدام الأراضي السورية في هذا الصراع.
ويرى خليل أن كلاً من إسرائيل وإيران يحاولان توسيع رقعة الصراع، معتبراً أن هناك تشابهاً في الدور الذي يلعبه النظامان في المنطقة من حيث زعزعة الاستقرار واستنزافها.
ويشير إلى أن “حزب الله” يمثل الوكيل الإقليمي لإيران، التي تحاول توزيع النيران على أكثر من جبهة بعد تعرضها لضربات قاسية.
ويضيف أن إسرائيل بدورها تستثمر ظروف الحرب لتوسيع نطاقها إقليمياً، لافتاً إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة كثيراً ما لجأت إلى تفجير الأوضاع الإقليمية للهروب من أزماتها الداخلية.
ويؤكد خليل أنه رغم التقارير الإسرائيلية التي تتحدث عن احتمال انخراط سوريا في الحرب ضد “حزب الله”، فإن دمشق لن تتدخل لصالح أي طرف، بل ستكتفي بالدفاع عن حدودها والتصدي لأي محاولات لاستخدام الأراضي السورية من قبل مجموعات مسلحة قادمة من لبنان أو العراق.
ويعتبر خليل أن “حزب الله” أصبح اليوم مشكلة لبنانية داخلية قبل أن يكون تحدياً أمنياً لإسرائيل. ويرى أن دخوله في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني يضعه في مواجهة مع محيطه العربي، خصوصاً بعد استهداف أمن الخليج وبناه التحتية.
ويشير إلى أن موقف دمشق من “حزب الله” يقوم على اعتبار أن قضيته مسألة لبنانية داخلية، ما لم تنعكس تداعياتها على الأراضي السورية. لذلك تحاول سوريا النأي بنفسها عن أي صراعات إقليمية، والتركيز على إعادة بناء الداخل السوري.
ويختم خليل بالقول إن جميع السيناريوهات تبقى واردة إذا أقدم “حزب الله” على خطوات متهورة قد تمس الأمن القومي السوري.
لكنه يلفت إلى أن الاستعدادات العسكرية السورية على الحدود كانت رسالة واضحة للحزب ولإيران بأن دمشق لن تسمح بأي محاولة لجرها إلى هذا الصراع.










