لم تعد سوريا في السنوات الأخيرة مجرد ساحة حرب أو ممر لوجستي للصراعات الإقليمية، بل تبدو اليوم أقرب إلى ورقة تفاوض مركزية في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. فالتطورات التي أعقبت سقوط النظام السابق، وتراجع الوجود العسكري المباشر لحلفائه، نقلت موقع سوريا من كونها جزءاً من شبكة الصراع الإقليمي إلى عنصر تفاوضي في معادلاته، سواء في ملف العقوبات وإعادة الإعمار، أو في ترتيبات الأمن الإقليمي والعلاقات بين القوى الكبرى.
هذا التحول يطرح سؤالاً أساسياً: هل انتهى دور سوريا كممر إمداد لمحور إيران و”حزب الله”، أم أنه تحول ببساطة إلى ورقة سياسية تستخدمها دمشق في إعادة تعريف موقعها في الإقليم؟
سوريا كممر إمداد في سنوات الحرب
خلال سنوات الحرب السورية، كانت الأراضي السورية تشكل حلقة مركزية في شبكة إمداد إقليمية تمتد من إيران عبر العراق وصولاً إلى لبنان. وقد اعتمدت هذه الشبكة على ممر بري واسع يمر عبر دير الزور والبوكمال وصولاً إلى دمشق ثم الحدود اللبنانية، إضافة إلى خطوط نقل جوية وبحرية عبر مطار دمشق وميناء اللاذقية.
هذا الممر كان بالنسبة لإيران جزءاً من استراتيجيتها الإقليمية لتعزيز ما يُعرف بمحور المقاومة، إذ أتاح نقل السلاح والتمويل والدعم اللوجستي إلى “حزب الله” في لبنان. كما شهدت سوريا انتشاراً لخبراء ومستشارين من الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، إضافة إلى إنشاء معسكرات تدريب ومراكز دعم لوجستي مرتبطة بهذه الشبكة.
لكن الباحث والمحلل السياسي في بيروت حسان عليان يرى في تصريحات لـ”963+” أن توصيف العلاقة السورية–الإيرانية على أنها مجرد “نفوذ” لا يعكس طبيعتها الحقيقية، إذ يصفها بأنها علاقة استراتيجية قديمة قامت على التفاهم والمصالح المتبادلة منذ انتصار الثورة الإيرانية، واستمرت خلال حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد ثم الرئيس بشار الأسد.
ويقول عليان إن العلاقة بين البلدين لم تكن قائمة على استغلال طرف لآخر، بل على شراكة سياسية واقتصادية، مشيراً إلى أن طهران تعاملت مع دمشق باعتبارها حليفاً استراتيجياً لا مجرد ساحة نفوذ. ويضيف أن وجود إيران وروسيا في سوريا خلال سنوات الحرب جاء بطلب من الدولة السورية بهدف حماية الدولة ومؤسساتها، وليس فقط حماية النظام السياسي.
ومع ذلك، فإن هذا الدور السوري كحلقة وصل في شبكة الإمداد الإقليمية كان أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت البلاد ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الدولية والإقليمية.
اقرأ أيضاً: الممر الرقمي السوري: كيف يعزز النفوذ الجيوستراتيجي في شرق المتوسط – 963+
لحظة التحول.. تفكك الممر الإقليمي
مع سقوط النظام السابق والتغيرات السياسية التي تبعته، تعرضت هذه الشبكة اللوجستية لتفكك تدريجي، خصوصاً مع خروج عدد من المجموعات المسلحة المرتبطة بإيران من الأراضي السورية.
ويشير عليان إلى أن التطورات الأخيرة أدت إلى تراجع واضح في الوجود العسكري المرتبط بإيران و”حزب الله” داخل سوريا، مؤكداً أن الحزب انسحب بسرعة بعد التحولات السياسية المفاجئة التي شهدتها البلاد. ويصف هذه اللحظة بأنها كانت “صدمة إقليمية”، نظراً لانتهاء مرحلة سياسية استمرت أكثر من خمسة عقود.
هذا الانقطاع في الممر البري الإيراني ـ السوري ـ اللبناني انعكس بشكل مباشر على معادلات القوة في المنطقة، وخصوصاً على القدرات اللوجستية المرتبطة بالمقاومة في لبنان.
وبحسب عليان، فإن سوريا كانت تمثل لسنوات طويلة “شريان حياة وصمام أمان” في ما يتعلق بالدعم اللوجستي والسياسي للمقاومة في لبنان، إلا أن القوى المرتبطة بمحور المقاومة حاولت لاحقاً البحث عن بدائل لتقليل تأثير هذا التحول.
من ممر لوجستي إلى ملف تفاوض
التحول الأبرز في موقع سوريا لا يرتبط فقط بانقطاع هذا الممر، بل أيضاً بتغير الطريقة التي تنظر بها القوى الدولية إلى البلاد.
فبدلاً من اعتبارها مجرد ساحة حرب بالوكالة، باتت سوريا تُطرح اليوم كجزء من معادلة تفاوضية أوسع تشمل ملفات الأمن الإقليمي والعقوبات وإعادة الإعمار.
الدبلوماسي المستقل المقيم في فيينا عزت بغدادي يرى في تصريحات لـ”963+” أن سوريا تقف اليوم عند مفترق حساس في دورها الإقليمي، مشيراً إلى أنها تحولت خلال سنوات الحرب إلى ممر لوجستي ضمن شبكة الصراع في المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق بخطوط الإمداد المرتبطة بإيران و”حزب الله”.
لكن أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من تصعيد بين إسرائيل ومحور إيران، بحسب بغدادي، جعلت هذا الدور نفسه جزءاً من الحسابات التفاوضية في الإقليم.
ويضيف أن القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بوجود إيران أو حزب الله في سوريا، بل أيضاً بضعف الدولة السورية وعدم قدرتها على ضبط أراضيها. ولذلك ظهرت في بعض الدوائر الغربية قراءة ترى أن صعود سلطة سورية انتقالية قد يحد من استخدام الأراضي السورية كممر مفتوح للإمدادات العسكرية.
ويرى بغدادي أن هذا التوجه لا يعكس بالضرورة وجود ثقة بين دمشق وتل أبيب، بل يشير إلى ما يمكن وصفه بـ”هدنة وظيفية غير معلنة”، يسعى من خلالها الطرفان إلى تقليل المخاطر في مرحلة إقليمية شديدة التقلب.
اقرأ أيضاً: ما الذي تحتاجه سوريا لتصبح لاعباً إقليمياً مستقلاً؟ – 963+
العقوبات وإعادة الإعمار.. أدوات التفاوض الجديدة
إلى جانب الملف الأمني، أصبح ملف العقوبات وإعادة الإعمار أحد أهم أدوات التفاوض المرتبطة بمستقبل سوريا.
الباحث في العلاقات الدولية محمد اليمني يوضح لـ”963+” أن القانون الدولي لا يضع إطاراً قانونياً موحداً لإعادة الإعمار بعد النزاعات، بل تعتمد هذه العملية على مجموعة من الأطر السياسية والقانونية المتداخلة.
ويشير إلى أن الإطار الدولي الأبرز في الحالة السورية يتمثل في قرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي وضع خريطة طريق للحل السياسي في البلاد، وهو ما دفع عدداً من الدول الغربية إلى ربط مشاركتها في إعادة الإعمار بإحراز تقدم في تنفيذ هذا القرار.
كما يلفت اليمني إلى أن سوريا تخضع لنظام واسع من العقوبات الاقتصادية الأحادية، أبرزها قانون “قيصر”، الذي يفرض قيوداً على الشركات والأفراد المشاركين في مشاريع مرتبطة بالحكومة السورية أو بقطاعات الطاقة والبنية التحتية
ويؤكد أن هذه العقوبات ليست صادرة عن مجلس الأمن الدولي، بل عن دول بشكل منفرد، ما يعني أن رفعها أو تعليقها يبقى قراراً سياسياً بيد هذه الدول.
وفي المقابل، تلعب المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد دوراً مهماً في إعادة الإعمار من خلال ربط التمويل بما يُعرف بمبدأ “المشروطية”، أي ربط القروض والمساعدات بإصلاحات سياسية واقتصادية محددة.
اقرأ أيضاً: سوريا… الحلقة التاريخية السابقة بين إيران و”حزب الله” في مرحلة ما بعد الأسد – 963+
السيادة والأمن الإقليمي
في ظل هذه المعادلة، يصبح ضبط الأراضي السورية ومنع استخدامها كممر للصراعات الإقليمية أحد أهم عناصر التفاوض.
ويشير اليمني إلى أن القانون الدولي يمنح الدولة أدوات واضحة لتحقيق ذلك عبر مبدأ السيادة الإقليمية المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، والذي يتيح للحكومة السورية إصدار قوانين تمنع نقل الأسلحة عبر أراضيها أو استخدامها كممر عسكري لأي طرف خارجي.
كما يمكن لدمشق، وفقاً له، توقيع اتفاقيات أمنية مع دول الجوار أو القوى الدولية لمراقبة الحدود ومكافحة تهريب السلاح، إضافة إلى الاستناد إلى قرارات مجلس الأمن المتعلقة بمكافحة الإرهاب ومنع تمويل الجماعات المسلحة.
غير أن هذا المسار يواجه بدوره تحديات معقدة، خصوصاً في ما يتعلق بالحدود السورية–الإسرائيلية.
فبحسب اليمني، يخضع الوضع الأمني على هذه الحدود لاتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 التي تنظم انتشار القوات العسكرية في المنطقة العازلة تحت إشراف قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. لكن أي ترتيبات أمنية جديدة قد تثير إشكاليات قانونية تتعلق بوضع الجولان المحتل ومسألة السيادة السورية.
معادلة التوازن بين المحاور
في المقابل، يرى عليان أن الموقع الجيوسياسي لسوريا يمنحها قدرة كامنة على لعب دور في موازنة العلاقات بين القوى الدولية والإقليمية.
ويشير إلى أن تاريخ سوريا وموقعها الجغرافي يجعلانها عنصراً أساسياً في أمن المنطقة، إلى درجة أن السيطرة على سوريا كانت دائماً عاملاً حاسماً في التوازنات الإقليمية.
لكن تحقيق هذا التوازن، بحسب تقديره، ليس مهمة سهلة في ظل الضغوط الدولية، وخصوصاً الأميركية، ما يجعل قدرة القيادة السورية الجديدة على المناورة محدودة.
هذا التقدير يتقاطع مع تحذيرات بغدادي من أن فشل السلطة الانتقالية في بناء مؤسسات مدنية قادرة على ضبط التوازنات قد يعيد سوريا إلى دائرة صراع المحاور، لتتحول مرة أخرى من ورقة تفاوض إلى ساحة تنافس إقليمي مباشر.
بين ورقة تفاوض وسيادة الدولة
في المحصلة، يبدو أن موقع سوريا في الإقليم يشهد تحوّلاً عميقاً. فبعد سنوات كانت فيها البلاد جزءاً من شبكة إمداد عسكرية في صراعات المنطقة، أصبحت اليوم جزءاً من معادلة تفاوضية معقدة تتداخل فيها ملفات الأمن والعقوبات والاقتصاد وإعادة الإعمار.
هذا التحول يمنح دمشق نظرياً هامشاً جديداً للمناورة السياسية، لكنه يضعها أيضاً أمام اختبار صعب: فإما أن تنجح في استخدام موقعها الجيوسياسي كورقة لتعزيز السيادة واستعادة دور الدولة في الإقليم، أو أن تجد نفسها مجدداً ساحة لتنافس القوى الكبرى وصراع المحاور.
وفي ظل هذه المعادلة، تبقى الإجابة عن السؤال مفتوحة: هل ستتمكن سوريا من تحويل موقعها الجديد إلى فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة التوازن في علاقاتها الإقليمية، أم أن ضغوط الصراع الدولي ستعيد إنتاج دورها كساحة للصراع أكثر من كونها طرفاً فاعلاً فيه؟










