واشنطن
حذر مركز أبحاث المجلس الأطلسي، اليوم الجمعة، من أن سوريا قد تتحول إلى نسخة من ليبيا إذا غاب الاهتمام الدولي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة عسكرياً في سوريا، لكن في نطاق محدود ومتزايد الهشاشة، حيث يعمل عدد قليل من القوات الأميركية بالتنسيق مع شركاء محليين، مع تركيز أساسي على عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم ”داعش” ومنع عودته.
وأوضح المجلس في تقرير نشر على موقعه الرسمي، أن مهمة الولايات المتحدة في سوريا تقتصر على مكافحة الإرهاب فقط، دون وجود استراتيجية شاملة لسوريا، كما يفتقر الإطار السياسي لهدف واضح يتجاوز ما وصف بالهزيمة المستمرة لـ”داعش”، وقد استمر هذا الوضع وسط نقاشات متكررة في واشنطن عبر الإدارات والكونغرس حول مدته، وأساسه القانوني، وقيمته الاستراتيجية.
وأشار، إلى أن الأسبوع الماضي شهد انسحاب الولايات المتحدة من قاعدة التنف الواقعة بالقرب من حدود سوريا-العراق-الأردن، وتسليم السيطرة للحكومة السورية.
وأكد التقرير أن الحروب نادراً ما تنتهي لمجرد شعور الإرهاق منها، وأن الخطر لا يكمن فقط في مغادرة الولايات المتحدة سوريا، بل في مغادرتها في اللحظة الخاطئة، ما قد يمهد الطريق لانهيار يشبه ما حصل في ليبيا.
وأوضح المجلس أن سوريا ليست ليبيا حالياً، فالاحتكاكات السياسية والظروف الزمنية والنتائج مختلفة، لكن المقارنات مستمرة بسبب المخاطر الهيكلية المشابهة التي كشفها انهيار ليبيا.
ولفت، إلى وجود أسباب للحذر والأمل معاً، إذ تراجع العنف عن ذروته، واستأنفت الديبلوماسية الإقليمية بحذر، وتتمتع بعض المناطق بدرجة من الاستقرار لم يكن يمكن تصورها قبل عقد من الزمن، مع عودة بعض اللاجئين واستكشاف دول الخليج عمليات إعادة الإعمار والاندماج.
وأشار التقرير إلى أن سوريا تحتفظ بسلسلة هشة من الأجهزة الحكومية، وحدود محددة، وسكان معتادين على السلطة المركزية، وهي ميزة تمنحها إطاراً يمكن أن يُبنى حوله الاستقرار، لكنها ليست ضمانة دائمة.
وذكر، أن المؤسسات التي تضعف أو تتجاوزها الميليشيات لا تقوى تلقائياً، بل تتآكل بطرق محددة، وتظهر هياكل قيادية موازية، وتتولى الميليشيات مهام الشرطة والضرائب وتسوية النزاعات، بينما يخضع الموظفون المدنيون لمن يسيطر على الأرض وليس للسلطة المركزية، ومع الوقت يتحول الولاء من المؤسسات إلى الرعاة المسلحين، ويصبح ادعاء الدولة بالاحتكار على القوة شكلياً.
وحول تنظيم “داعش”، أوضح المجلس الأطلسي أن الهزيمة الإقليمية للتنظيم في آذار/ مارس 2019 بسقوط آخر معقل له في الباغوز على يد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) بدعم أميركي، كانت إنجازاً حقيقياً، لكن تفكيك الخلافة ليس هو نفسه القضاء على الحركة التنظيمية، حيث لا يزال “داعش” لامركزياً ويعمل عبر خلايا صغيرة متحركة تستغل الفجوات بين السلطات المتنافسة، معتمداً على الاغتيالات والتفجيرات والهروب من السجون والابتزاز في مناطق بلا سلطة مباشرة.
وحذر المجلس من أن سوريا تواجه نفس المخاطر التي شهدتها ليبيا، إذ يمكن للجماعات المتطرفة أن تستغل الفجوات غير المحكومة، وأن الفشل الليبي كان نتيجة التنافس بين الفصائل المسلحة وضعف المؤسسات الوطنية وعدم وجود احتكار متفق عليه على القوة.
وأكد التقرير أن سوريا معرضة لنفس الديناميكية، إذ تعمل عدة جهات مسلحة بتداخل اختصاصات واهتمامات خارجية ورؤى سياسية متضاربة، بينما جهود دمج القوات، خاصة في الشمال الشرقي، ما زالت هشة وغير مكتملة.
اقرأ أيضاً: انسحاب أميركي كامل من سوريا خلال شهرين
كما أشار المجلس الأطلسي إلى أن الرأي العام الأميركي لا يزال متعباً من الحروب الخارجية، حيث أظهرت استطلاعات رأي أن 41% فقط من الأميركيين يؤيدون بقاء القوات لمحاربة “داعش”، بينما يرى 50% أن مشاكل سوريا “ليست من شأننا”، وهو ما يزيد من صعوبة استمرار الالتزام الأميركي الطويل المدى.
ولفت، إلى أن الدول الإقليمية معنية بالوضع السوري لكنها حذرة، حيث ترى دول الخليج أن الاستقرار أفضل من الصراع المستمر، بينما تركيا وإسرائيل ودول عربية أخرى لها مصالح واضحة لكنها غير مستعدة لنشر قوات برية واسعة، كما أن تدخلها غالباً انتقائي ومصلحي.
وأضاف المجلس أن تجربة ليبيا أظهرت أن المنافسة الإقليمية يمكن أن تحول دون التماسك الوطني، مع دعم الأطراف الخارجية لفصائل متنافسة وتحويل الميليشيات إلى أدوات تتلقى دعماً خارجياً بدل أن تندمج في الدولة.
وأكد، أن أوروبا تركز اهتمامها على أوكرانيا، ما يترك سوريا في وضع ثانوي، بينما تجربة ليبيا أظهرت حدود قدرة الاتحاد الأوروبي على عمليات الاستقرار طويلة المدى.
وخلص التقرير إلى أن تجنب سيناريو مشابه لليبيا في سوريا لا يتطلب حروباً طويلة، لكنه يتطلب تسلسلاً دقيقاً للخطوات: دمج الأمن قبل الانسحاب، وضمان ملكية المؤسسات الشرعية للمسؤولية، وتنسيق الفاعلين الإقليميين حول الاحتواء لا المنافسة، وأن الانسحاب قبل انتقال المسؤولية يؤدي إلى نقل المخاطر غالباً إلى جهات أقل قدرة وقد تعود في النهاية للولايات المتحدة نفسها.
وقبل يومين، قال ثلاثة مسؤولين أميركيين لصحيفة “وول ستريت جورنال” إن الولايات المتحدة شرعت في تنفيذ خطة انسحاب كامل لقواتها من سوريا، والبالغ عددها نحو ألف جندي، في خطوة من شأنها إنهاء مهمة عسكرية استمرت قرابة عقد.
وبحسب مسؤولين، فقد أنهت القوات الأميركية بالفعل إخلاء مواقع رئيسية هذا الشهر، بينها قاعدة التنف الواقعة عند المثلث الحدودي السوري ـ الأردني ـ العراقي، إضافة إلى موقع الشدادي شمال شرقي البلاد، على أن يجري الانسحاب من بقية النقاط خلال شهرين.
وأكدت المصادر أن القرار لا يرتبط بالانتشار العسكري الأميركي الجاري في الشرق الأوسط، والذي يتضمن تعزيزات بحرية وجوية تحسباً لاحتمال توجيه ضربات لإيران إذا تعثرت المفاوضات حول برنامجها النووي، في ظل تهديدات إيرانية باستهداف القوات الأميركية في حال وقوع هجوم.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن إدارة دونالد ترامب خلصت إلى أن الوجود العسكري في سوريا لم يعد ضرورياً، نتيجة تقديرات بأن الحكومة السورية بدأت تتولى دوراً أكبر في عمليات مكافحة الإرهاب.
وفي السياق السياسي، ذكرت الصحيفة أن واشنطن تسعى إلى توسيع حضورها الديبلوماسي في سوريا بعد أن عزز الرئيس السوري أحمد الشرع موقعه في الحكم.
كما أشارت إلى لقاء جمع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بنظيره السوري أسعد الشيباني الأسبوع الماضي، حيث تركزت المباحثات على تنسيق الجهود ضد التنظيمات المتشددة والحفاظ على التهدئة مع “قسد”.










