مع وصول أولى فواتير الكهرباء بالأسعار الجديدة إلى المنازل والمحال التجارية السورية، انتشرت صور فواتير بملايين الليرات على وسائل التواصل، مع تعليقات مثل: “فاتورة تفوق الدخل الشهري” و”ندفع للحكومة ونبقى في الظلام”، حيث يواجه السوريون صدمة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات المعيشية المتلاحقة، فالقرار الذي رفع قيمة الفواتير إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوزت فواتير بعض العائلات 500 ألف ليرة سورية شهرياً، أثار جدلاً واسعاً حول فلسفة إدارة الاقتصاد السوري وموارده، فهذه الفواتير كانت بمثابة “إعلان صريح” عن تبدل الهوية الاقتصادية للمؤسسات الخدمية في البلاد.
فمن منطق الرعاية الاجتماعية والدعم الذي قامت عليه الدولة لعقود، انتقلت سوريا فجأة وبلا تمهيد إلى منطق “التاجر والمحل التجاري”، فالنقاش الأعمق يتجاوز أزمة الكهرباء ليصل إلى جوهر النموذج الاقتصادي المتبع، فالوزارات الحكومية، كما يرى العديد من المحللين، تتحول إلى “وحدات جباية” بدلاً من كونها مؤسسات خدمية، حيث الربح والجباية هما المعيار الوحيد، حتى لو كان الطرف الآخر في الصفقة شعباً يرزح 90% منه تحت خط الفقر.
ومع صدور أولى فواتير الكهرباء بالأسعار الجديدة، يبقى السؤال: هل ستكون صدمة فواتير الكهرباء ناقوس خطر لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي بأكمله، أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة تراجع القدرة الشرائية للسوريين؟ الإجابة ستعطيها الفواتير القادمة، والأهم من ذلك، قدرة السوريين على الصمود في وجه هذا العبء الجديد.
اقرأ أيضاً: التجارة الإلكترونية في سوريا.. سوق بلا سقف ومستهلك بلا حماية – 963+
لغة الأرقام: فواتير تفوق الدخل
يرى الخبير الاقتصادي هلال العلي في تصريحات لـ”963+” أن في فقه الاقتصاد، المؤسسات الخدمية في دول الأزمات يجب أن تعمل بمبدأ “النفع العام” وليس “نقطة التعادل الربحي”، وأن صدمة صدور الدورة الأولى لفواتير الكهرباء بالتسعيرة الجديدة، لم تكن في الأرقام الفلكية فحسب، بل في الفلسفة الاقتصادية التي تدار بها البلاد، فبينما كان المواطن ينتظر “انفراجات” في ساعات التغذية، جاءت الفاتورة لتعلن عن تحول مؤسسات الدولة الخدمية إلى “شركات استثمارية” تهدف للربح والتحصيل لسد فجوة الموازنة، دون اعتبار للواقع المعيشي المتردي.
ويضيف: “شكلت الفواتير صدمة بلغة الأرقام، حيث قفزت أسعار الكيلو واط الساعي في بعض الشرائح المنزلية والصناعية بنسب تجاوزت 200% إلى 500%”. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة يقع أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر.
اقتصادياً، يعني هذا أن أي زيادة في الرسوم الخدمية تُقتطع مباشرة من “صحن الغذاء” لا من “رفاهية الاستهلاك”، وبينما بلغت الفواتير الأولى من 600 ألف إلى 2 مليون ليرة للأسر ذات الاستهلاك المحدود، ومتوسط الرواتب لا يتجاوز 100 دولار شهرياً، أي أقل من 1.2 مليون ليرة بسعر صرف حالي، مما يجعل الفاتورة الواحدة تعادل دخل شهر كامل، وقد بررت الحكومة الزيادة بتغطية خسائر القطاع وتحسين التغذية، لكن التقنين مستمر، مما يدفع المواطنين لدفع فواتير مزدوجة عبر مولدات خاصة، بحسب العلي.
ويختم العلي: الإشكالية ليست في ضرورة تعديل الأسعار مع التكاليف، بل في غياب الرؤية التنموية، فلدينا موارد طبيعية هائلة من نفط وغاز وفوسفات، وإمكانيات زراعية وسياحية لو أُحسنت إدارتها، لكانت كافية لتغطية دعم أساسيات الحياة، فالمواطن ليس زبوناً في متجر حكومي، بل شريك في الوطن، وعندما تتحول الخدمات الأساسية إلى سلع فاخرة، والسياسات الاقتصادية إلى أدوات جباية، فإننا لا ندمر الاقتصاد فحسب، بل نفتت النسيج الاجتماعي نفسه، والحل ليس في رفع الأسعار، بل في رفع الكفاءة ومحاربة الهدر واستثمار الموارد، والزيادة الأخيرة تضع سوريا أمام مفترق طرق، إما الاستمرار في نموذج “إدارة الأزمة بالجباية”، أو البدء ببناء نموذج تنموي حقيقي يعيد الاعتبار للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
اقرأ أيضاً: “نعمل فقط كي نأكل”: البطالة والأجور تدفع شباب سوريا نحو طرق التهريب – 963+
المواطن: “شريك في الخسارة.. مستبعد من الربح”
في جولة ميدانية لـ”963+” بدمشق، يقول محمد، صاحب ورشة خياطة صغيرة: “أتعامل مع وزارة الكهرباء وكأنني أشتري القماش من تاجر في الحريقة، إذا ارتفع السعر عليه، رفعه عليّ. لكن الفرق أن التاجر يربح، أما أنا فأخسر مهنتي لأن الزبون لم يعد قادراً على دفع تكاليف الخياطة المرتبطة بسعر الكهرباء. إذا كانت الوزارة شركة خاصة، فأين حصتنا من أرباح الثروات الأخرى؟”.
محمد علي طالب جامعي يقول: في الاقتصادات المتعافية الدولة تدعم الطاقة لتحفيز الإنتاج، وتزيد الدخل قبل رفع الأسعار، وتحمي الشرائح الهشة بتعرفة تصاعدية حقيقية، أما في الحالة السورية فالأسعار تُرفع أولاً، والدخل ثابت أو يتآكل، والدعم يُرفع دون بدائل، وفاتورة الكهرباء الجديدة ليست مجرد رقم، بل مرآة لطريقة إدارة الاقتصاد.
أما عادل وهو محامي من حمص فيرى أن أحد أخطر ما يكشفه القرار، بحسب رأيه، هو تحول المؤسسات العامة إلى ذهنية التاجر: فكل خدمة تساوي فاتورة أعلى، وكل تعامل يساوي ربح فوري، حيث لا اعتبار للدخل، ولا للأثر الاجتماعي، فإذا كانت الوزارة شركة، فالمواطن شريك فيها، لا زبوناً يُستنزف، لكن ما يحدث هو خصخصة الجباية دون خصخصة الكفاءة.
أما أحمد وهو موظف حكومي في حلب فيقول لـ”963+”: “وزارة الطاقة تتصرف مع المواطنين وكأنها شركة خاصة خاسرة تريد تحسين ميزانيتها عبر رفع أسعار منتجاتها، لا كدولة تمتلك موارد وثروات وتُدار لمصلحة المجتمع”.
بينما تقول مريم علي وهي من سكان ريف دمشق: “زوجي موظف حكومي يتقاضى مليون و200 ألف ليرة، وفاتورة الكهرباء وصلت إلى800 ألفاً، كيف نعيش؟ وإيجار البيت يعادل الراتب، فمن أين ندفع فاتورة الكهرباء؟! هل نطفئ الأنوار ونعتمد على الشموع، ونقلص وجبات الطعام؟! الحكومة تتحدث عن دعم، لكن الدعم الحقيقي كان في خفض الأسعار”.
اقرأ أيضاً: أين ذهبت الليرة الجديدة؟ المواطن بين أكوام الليرات القديمة وندرة الجديدة – 963+
وجهة نظر رسمية: ضرورة اقتصادية أم خيار إداري؟
أعلن القرار الرسمي برفع أسعار تعرفة الكهرباء بشكل واسع بعد سنوات من الدعم شبه الرمزي في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وقد دخلت التعرفة الجديدة حيز التنفيذ في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وقالت وزارة الطاقة إن الهدف من الزيادة هو وقف الخسائر الكبيرة في قطاع الكهرباء وتوفير الموارد اللازمة للحفاظ على تزويد الطاقة وتوسيع ساعات التيار، بحيث لا ينهار القطاع تماماً.
وأوضحت الوزارة أن هناك فجوة كبيرة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر البيع للمستهلكين، وأن دعم الأسعار القائم لم يعد قابلاً للاستمرار بسبب كلفة التشغيل، خصوصاً مع الحاجة لشراء الغاز أو الوقود لتشغيل محطات التوليد.
وجعلت التعريفة الأولى للشرائح المنخفضة (حتى حد معين من الاستهلاك، مثلاً 300 كيلوواط ساعي) مدعومة جزئياً لكن بزيادة كبيرة عن السعر القديم، بينما الشرائح التي تتجاوز ذلك تدفع أسعاراً أعلى بكثير.
فخ الجباية: هل نعالج العجز أم نعمقه؟
الحجة الحكومية الدائمة هي “تغطية العجز في الموازنة العامة”، لكن اقتصادياً الجباية القسرية من فئات لا تملك فائضاً مالياً هي “انتحار اقتصادي” مؤجل، فعندما ترتفع الفاتورة لتصبح بمئات الألوف والملايين، نحن لا نسحب فوائض الأموال من جيوب الأغنياء (الكماليات)، بل ننتزع ثمن الرغيف والدواء من بطون الفقراء (الأساسيات)، هكذا علق الباحث الاقتصادي الدكتور عبدالعزيز خيربك على زيادة أسعار الكهرباء.
ويقول في تصريحات لـ”963+” إن تحويل الوزارات إلى “شركات خاصة” تبحث عن توازن الميزانية من خلال رفع الأسعار فقط، يغفل حقيقة اقتصادية كبرى، بأن الإدارة هي فن استثمار الموارد، وليست فن استنزاف المستهلك، أين هي الإدارة الاحترافية للثروات الباطنية والنفطية؟ ولماذا يظل المواطن “شريكاً في الخسارة” فقط، بينما تغيب ملامح شراكته في إيرادات موارد بلاده الضخمة التي يفترض أن توازن كفة الدعم؟ فإذا كانت الحكومة تتعامل بعقلية التاجر، فمن حق المواطن أن يطالب بحقه كـ “مساهم” في هذه الشركة الكبيرة التي تسمى “الدولة” فقد تأسست هذه الوزارات بأموال الشعب ولخدمته، وتحويلها إلى أداة لتحقيق الأرباح دون تحسين جودة الخدمة أو مراعاة الدخل، يكسر العقد الاجتماعي.
يوضح خيربك بالأرقام كيف تتجاوز الفواتير الجديدة في كثير من الأحيان الدخل الشهري للموظف السوري، وهذا الخلل البنيوي سيؤدي حتماً إلى “انكماش استهلاكي” حاد؛ فالليرة التي ستدفع لشركة الكهرباء، ستُحرم منها محلات الخضار، والحرفيين، وصيدليات الأدوية، فنحن أمام دورة اقتصادية متعثرة، تزداد فيها الخزينة العامة “أرقاماً”، بينما يزداد الواقع المعيشي “بؤساً”، ففي علم الاقتصاد الجباية لا تصنع نمواً وإن الاعتماد على “الجباية السهلة” من الفواتير والرسوم هو اعتراف ضمني بالعجز عن ابتكار حلول استثمارية حقيقية.
ويختم خيربك بالقول: الحكومة بحاجة إلى “عقل” لا إلى “جيب” والمطلوب اليوم ليس مجرد “تعديل أسعار”، بل إعادة هيكلة العقلية التي تدير الموارد، فالإدارة الاحترافية تعني مكافحة التهرب الضريبي لكبار المتمولين، وتفعيل الإنتاج الحقيقي، واستثمار الموارد الباطنية بشفافية، لتكون هي الرافد للموازنة، لا فاتورة كهرباء تقصم ظهر عائلة لا تجد ثمن عيشها، وإن استمرار نهج “الجباية لتغطية العجز” دون رؤية تنموية شاملة، سيحول المجتمع إلى هيكل استهلاكي متهالك، فالكهرباء ليست مجرد طاقة، إنها اختبار لما تبقى من قدرة المواطن على الاحتمال، واختبار لمدى قدرة الحكومة على التخلي عن دور “الجابي” والعودة لدور “الراعي”.










