لم تكن “البطاقة البلاستيكية” يوماً مجرد أداة للدفع في جيب السوريين، بل كانت رمزاً لعقد من العزلة المالية والتقنية التي فصلت البلاد عن عصب الاقتصاد العالمي، ولكن المشهد اليوم يتغير بشكل دراماتيكي؛ فقد منحت شركة “ماستركارد” العالمية ترخيصاً رسمياً لمجموعة QNB لتوسيع أنشطة إصدار وقبول المدفوعات الرقمية داخل الأراضي السورية.
هذا الإعلان ليس مجرد خبر تقني عابر، بل هو “زلزال مصرفي” يأتي تنفيذاً لمذكرة التفاهم الموقعة في سبتمبر الماضي، إننا نتحدث عن عودة شعار “الدوائر المتداخلة” (Mastercard) ليزين واجهات المصارف والمتاجر السورية، واعداً بحلول متكاملة للأفراد الذين أرهقهم “الكاش” (النقد)، وللشركات التي كبلتها قيود التحويل الخارجي، ولكن، وبينما يسود التفاؤل أوساط قطاع الأعمال، تبرز أسئلة مشروعة تفرض نفسها على الواقع: كيف استطاعت عملاق المدفوعات الأمريكي العبور إلى سوريا؟ وهل البنية التحتية المتهالكة لشبكات الاتصال في سوريا قادرة على تحمل ضغط “الرقمنة” الشاملة؟ والأهم من ذلك، هل ستكون هذه البطاقات متاحة للمواطن العادي، أم أنها ستظل امتيازاً للنخبة المالية في سوق يرزح تحت ضغوط معيشية خانقة؟ وما هو مستقبل الليرة السورية في عصر “الدفع السحابي”، وما هو الأثر لهذه الخطوة على “الشركات الناشئة” في سوريا؟
اقرأ أيضاً: سوريا: التفاوت في الرواتب الحكومية يفتح ملف العدالة الوظيفية – 963+
ما الذي تعنيه رخصة ماستركارد لـ QNB عملياً؟
يقول الخبير المصرفي والمالي الدكتور سعد جلال الدين في تصريح لـ”963+” إنه على الورق، يمنح هذا الترخيص لمجموعة QNB القدرة على إصدار بطاقات دفع (أو حلول رقمية) يمكن استخدامها داخل سوريا وربما خارجها ضمن حدود معينة، وقبول المدفوعات عبر نقاط بيع ومنصات رقمية، ما يسمح للتجار والشركات بزيادة الاعتماد على المدفوعات غير النقدية، وتقديم حزمة منتجات موجهة للأفراد والشركات: من بطاقات الرواتب إلى بطاقات التسوق والسفر، وربما حلول دفع إلكترونية للتجارة الداخلية.
أما عملياً فيرى جلال الدين أن أثر هذه الخطوة سيعتمد على ثلاثة عوامل، هي نطاق التطبيق الجغرافي، فهل سيقتصر على المدن الكبرى وشرائح محددة، أم سيتوسع تدريجياً؟ ونوعية القيود التقنية والرقابية المفروضة دولياً على التعاملات السورية، وأخيراً قدرة البنية التحتية المحلية (إنترنت، كهرباء، نقاط بيع، ثقافة استخدام) على استيعاب هذا التحول.
ويختم جلال الدين: “يمكن النظر إلى دخول ماستركارد عبر بوابة QNB كفرصة لكسر جزء من عزلة النظام المالي، وإدخال أدوات دفع حديثة إلى سوق تحتاج بشدة إلى التحديث والتنظيم، ولكن في غياب سياسات واضحة للشمول المالي، وحماية المستهلك، والشفافية في الرسوم والبيانات، قد تتحول هذه الخطوة إلى حلقة جديدة في سلسلة اقتصاد متعدد السرعات، تستفيد منه أقلية متمكنة أكثر مما يستفيد منه عموم المواطنين”.
الشركات الناشئة تجذب الاستثمار الجريء
يعتبر دخول “ماستركارد” إلى السوق السورية عبر مجموعة QNB بمثابة “رئة اصطناعية” لقطاع الشركات الناشئة (Startups) الذي عانى لسنوات من اختناق مالي وتقني، وهذا التحول لن يغير فقط طريقة الدفع، بل سيعيد صياغة “نموذج العمل” للعديد من المشاريع السورية.
يحلل المهندس معاوية أحمد، مدرب معتمد في مجال الابتكار والإبداع وريادة الأعمال أبعاد هذا القرار على الشركات الناشئة في سوريا في تصريحات لـ”963+” أنه يكسر حاجز “الوصول العالمي” حيث كانت أكبر عقبة واجهت الشركات الناشئة السورية هي “المحلية القسرية”، وبوجود حلول ماستركارد، سيتغير المشهد من حيث تصدير الخدمات الرقمية: المبرمجون، المصممون، والمدربون السوريون سيتمكنون من بيع خدماتهم للخارج واستلام ثمنها عبر قنوات رسمية وسريعة، مما يحول “العمل الحر” إلى قطاع منظم يرفد الاقتصاد بالقطع الأجنبي، وكذلك الاشتراكات البرمجية (SaaS)، فالشركات الناشئة كانت تعاني لدفع رسوم السيرفرات (AWS, Google Cloud) أو أدوات العمل (Slack, Zoom).
اقرأ أيضاً: هل يتحول الغاز من نعمة اقتصادية إلى شرارة توتر إقليمي؟ – 963+
ويضيف: “الآن، سيصبح بإمكان الشركة دفع هذه الرسوم مباشرة عبر حسابها المصرفي السوري، وهذا سيؤدي إلى ازدهار التجارة الإلكترونية (E-commerce Transformation) وحتى الآن، كانت التجارة الإلكترونية في سوريا تعتمد على “الدفع عند الاستلام”، وهو نموذج عالي المخاطر والتكاليف، ومع بوابات الدفع (Payment Gateways)، ستتمكن الشركات الناشئة من بناء تطبيقات ومواقع تتيح الدفع اللحظي، مما يقلل من نسب إلغاء الطلبات ويزيد من سرعة دوران رأس المال، إضافة إلى الثقة والأمان، حيث توفر حلول ماستركارد ضمانات للمشتري والبائع، مما يرفع سقف الثقة في المعاملات الرقمية التي كانت تشوبها الشكوك سابقاً، والأهم من كل ذلك جذب الاستثمار الجريء (Venture Capital) فالمستثمر الإقليمي أو الدولي كان يخشى ضخ الأموال في شركات لا تملك “خروجاً مالياً” (Exit Strategy) واضحاً أو قنوات لتحويل الأرباح، وتحقيق الشفافية المالية”.
ويضيف: الاعتماد على أنظمة دفع عالمية يجعل الميزانيات المالية للشركات الناشئة أكثر وضوحاً وقابلية للتدقيق من قبل المستثمرين الخارجيين، وتسهيل التمويل، وسيصبح من السهل استلام حولات تمويلية مباشرة في الحسابات المصرفية المحلية للشركة، وسيتيح ظهور جيل جديد من شركات الـ “FinTech” فهذا القرار سيفتح الباب أمام المبتكرين السوريين لتطوير تطبيقات تعتمد على البنية التحتية لماستركارد (تطبيقات إدارة النفقات الشخصية، منصات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً (BNPL) المدعومة ببطاقات ائتمانية، حلول دفع الرواتب والمكافآت للموظفين عن بُعد).
أما التحديات التي قد تواجه هذه الشركات
على الرغم من الإيجابيات، يرى أحمد أنه ستواجه الشركات الناشئة تحديات في البداية، أهمها التكاليف التشغيلية، فعمولات ماستركارد والبنك قد تكون مرتفعة في البداية، مما يتطلب من الشركات الناشئة إعادة دراسة جدواها الاقتصادية، وكذلك الامتثال القانوني، حيث ستحتاج الشركات لتطوير أنظمة محاسبية تتوافق مع المعايير الدولية التي تفرضها شركات الدفع الكبرى.
ويختم أحمد إن دخول ماستركارد هو “اعتراف تقني” بجدارة السوق السورية، وهو يمنح رائد الأعمال السوري “هوية مالية” كانت مسلوبة منه، مما يحول المنافسة من محاولة البقاء على قيد الحياة إلى محاولة التوسع والنمو إقليمياً.
اقرأ أيضاً: باخرة الطحين الأميركي.. دعمٌ إنساني أم خطوة في لعبة النفوذ؟ – 963+
يقول الدكتور حسان مراد خبير اقتصادي في تصريحات لـ”963+” منذ سنوات يعيش السوريون في ظل اقتصاد يعتمد إلى حد كبير على التداول النقدي المباشر، مع هشاشة في الثقة بالمصارف المحلية، وتآكل في قيمة العملة، وضعف في أنظمة الدفع الإلكتروني، والقيود والعقوبات على القطاع المصرفي السوري جعلت الربط مع الأنظمة المالية العالمية معقّداً، ما حوّل أي خطوة نحو “رقمنة المدفوعات” إلى ملف (سياسي – اقتصادي) بامتياز، لا إلى مجرد تطور تقني، والآن يُقدَّم انتشار أدوات الدفع الرقمي بوصفه مدخلاً لـ”الشمول المالي”، أي إدخال فئات أوسع من السكان إلى المنظومة المصرفية الرسمية.
ولكن في واقع يشهد نسب فقر مرتفعة، ودخول متآكلة، واقتصاداً غير رسمي واسع الانتشار، يبرز بحسب مراد، سؤال حاد: هل سيكون المستفيد الأساسي هو الموظف والمواطن العادي، أم شركات كبرى، ومؤسسات مرتبطة بالتجارة الخارجية، وشرائح مصرفية ميسورة أصلاً؟ فقد يسمح النظام الجديد، بـتنظيم دفع الرواتب لموظفي شركات معينة عبر بطاقات مرتبطة بماستركارد، وتسهيل عمليات الدفع في قطاعات محددة (سياحة، خدمات خاصة، تجارة محددة السلع).
في المقابل، قد تبقى شرائح واسعة من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي خارج هذه المنظومة، ما يزيد الفجوة بين “اقتصاد رقمي نخبوية” و”اقتصاد نقدي شعبي”.










