بيروت
كشفت صحيفة “إندبندنت”، اليوم الاثنين، في تحقيقٍ موسع تفاصيل شبكات تهريب البشر المنتشرة على طول الحدود اللبنانية – السورية، في ظل تشديد الإجراءات الأمنية من الجانبين، واستمرار لجوء آلاف السوريين إلى المعابر غير النظامية هرباً من الأوضاع الاقتصادية والأمنية، أو سعياً لجمع الشمل والعمل داخل لبنان.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، يتعرض الهاربون إلى أخطار جسيمة أثناء انتقالهم بين البلدين عبر طرق جبلية أو مائية، قد تنتهي أحياناً بفقدان الأرواح، في ظل اعتماد آلية تهريب تقوم على “المسؤولية الشخصية” للراكب، مع تحميله تبعات المخاطر المحتملة، سواء من حيث الحوادث أو الإنهاك الجسدي أو الغرق.
ونقلت “إندبندنت” شهادات لسوريين قالوا إن رحلات العبور كانت شديدة القسوة، لكنها بدت الخيار الوحيد في ظل صعوبة الحياة داخل سوريا، مشيرين إلى أنهم اضطروا لدفع نحو 100 دولار أميركي عن كل فرد من أفراد العائلة لقاء العبور عبر معابر غير شرعية، سواء باتجاه لبنان أو عودة إلى الداخل السوري.
وأفادت الصحيفة، نقلاً عن سليمان، وهو أحد العاملين في مجال التهريب فضّل عدم الكشف عن اسمه الكامل، بأن أعداد العابرين تراجعت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، نتيجة تشديد الأمن الداخلي التابع للحكومة الانتقالية واللبناني إجراءاتهما الأمنية عقب حادثة الغرق التي وقعت في 29 كانون الأول/ ديسمبر الماضي في مجرى النهر الكبير، والتي أودت بحياة 11 سورياً كانوا يحاولون العودة إلى بلادهم بطريقة غير شرعية.
وأشار سليمان إلى أن كلفة التهريب انخفضت بعد سقوط النظام السابق، إذ كانت تتجاوز 400 دولار أميركي نتيجة دفع رشى على الحواجز العسكرية، بينما يحاول النظام الجديد تشديد العقوبات وصولاً إلى السجن والطرد من أجهزة الأمن.
وبحسب ما نقلته “إندبندنت”، تعتمد شبكات التهريب على تقسيم المعابر وفق الانتماء الجغرافي والطائفي، إذ يفضل القادمون من شرق سوريا، ولا سيما من الرقة ودير الزور والحسكة، العبور عبر مسار حمص – وادي خالد في عكار، فيما يستخدم أبناء الساحل السوري مجرى النهر الجنوبي الكبير شمال لبنان.
وبيّنت “إندبندنت” أن عمليات التهريب تقوم على شبكة متكاملة تضم سماسرة وسائقي حافلات صغيرة ومهربين، إضافة إلى عناصر على صلة بأجهزة أمنية، حيث يتم التمييز بين نازحين اقتصاديين قادمين من شرق سوريا بحثاً عن العمل في لبنان، وآخرين من يهربون من أوضاع أمنية مقلقة داخل سوريا.
أما العائدون إلى الداخل السوري عبر المعابر غير الشرعية، فهم في الغالب نازحون عاشوا سنوات في لبنان من دون وضع قانوني، وقرروا العودة، لكنهم غير قادرين على العبور عبر المعابر الشرعية.
ووصفت الصحيفة تهريب البشر بأنه “تجارة رابحة”، كانت تؤمن دخلاً إضافياً لعناصر أمنية في عهد النظام المخلوع، ولجماعات وميليشيات خلال فترات الفراغ الأمني، مشيرة إلى أن هذه التجارة لا تحتاج إلى رأس مال كبير، وتحقق أرباحاً سريعة للسمسار والمهرب والسائق.
اقرأ أيضاً: عودة أكثر من نصف مليون لاجئ سوري من لبنان خلال 2025
وأكد أحد المهربين لـ”إندبندنت” أن تحقيق ربح يتراوح بين 25 و30 دولاراً أميركياً عن كل شخص يعد مكسباً كبيراً في ظل الظروف الاقتصادية داخل سوريا، مستفيدين من معرفتهم الدقيقة بجغرافية المنطقة.
لكن الصحيفة أشارت في المقابل إلى المخاطر القاتلة التي يتعرض لها العابرون، موثقة حادثة وفاة رجل من دير الزور فور وصوله إلى الأراضي اللبنانية نتيجة الإنهاك الشديد، حيث اضطر مرافِقوه إلى إعادته إلى سوريا بعد الإبلاغ عن وفاته الطبيعية.
وأوضحت “إندبندنت” أن الأجهزة الأمنية رصدت تراجعاً في وتيرة تهريب البشر، لكنه لم يتوقف، حيث استخدمت أساليب “مبتكرة وخطرة”، من بينها التهريب داخل خزانات الغاز أو شاحنات الحيوانات والخضار.
وبحسب ما شرحته الصحيفة، تبدأ عملية التهريب عبر سمسار محلي في شرق سوريا يتولى التنسيق مع المهربين وسائقي الحافلات الصغيرة، مع الاتفاق على دفع المبلغ بعد الوصول إلى بيروت، ثم يُنقل الشخص إلى حمص، ومنها إلى مركز تجميع قرب “جسر أرزونة” في محيط طرطوس، قبل العبور إلى لبنان عبر معابر غير شرعية.
وداخل الأراضي اللبنانية، يتولى سائقون محترفون نقل الركاب وتفادي حواجز الجيش اللبناني، ولا سيما حاجز دير عمار، مستخدمين طرقاً ملتوية عبر المنية والضنية وصولاً إلى طرابلس، ثم إلى بيروت، حيث يتم تسديد الأجرة المتفق عليها.
وفي حال ضبطهم، يتم تسليمهم إلى حرس الحدود السوري، غير أن كثيرين يحاولون العبور مجدداً بطرق غير شرعية لجمع شملهم بعائلاتهم أو العودة إلى أعمالهم في لبنان، وفق ما ذكرته “إندبندنت”.
ونقلت “إندبندنت” شكاوى أهالي سهل عكار من تعرضهم لمداهمات متكررة بسبب الاشتباه بمساعدتهم للمهربين، رغم نفيهم المشاركة في عمليات التهريب، مشيرين إلى استخدام الإطارات المطاطية والمراكب الصغيرة لعبور النهر الكبير، غالباً بدافع إنساني ومن دون مقابل مادي، مع خطورة متزايدة خلال فصل الشتاء وارتفاع منسوب المياه.
وفي السياق نفسه، أشار مختار جبل محسن في طرابلس حسام تامر إلى نزوح نحو 60 ألف سوري إلى لبنان عقب سقوط النظام، دخل معظمهم عبر معابر غير شرعية بدافع “التعاطف الإنساني”.
وبيّنت “إندبندنت” أن طول الحدود البرية بين البلدين، البالغ 378 كيلومتراً، يجعل ضبطها مهمة شديدة الصعوبة، رغم انتشار 40 برج مراقبة متطور من الجانب اللبناني، تشرف عليها قوة الحدود البرية، في ظل نقص عدد العناصر وسهولة العبور في المناطق السهلية.










