تواجه سوريا اليوم مرحلة معقدة من التحولات على الصعيدين الأمني والسياسي، حيث تتقاطع جهود الحكومة الانتقالية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع في فرض سلطة مركزية وتوحيد القوى العسكرية والأمنية، مع نشاط خلايا متطرفة ومخاطر العمليات المسلحة التي تستهدف مناطق حساسة. هذه البيئة الأمنية المتقلبة أعادت النقاش حول طبيعة التهديدات وحدودها، ومدى قدرة الدولة الجديدة على السيطرة عليها بشكل فعّال.
وفي هذا الإطار، تشير التقارير إلى تنشيط خلايا تنظيم “داعش” النائمة واستهداف مواقع مختلفة في عدة مناطق، وسط استمرار تهديدات الجماعات المسلحة التي لم تنهك بعد، ما يعكس أن العنف لم ينتهِ بالمعنى التقليدي للحرب، وأن المخاطر الأمنية والسياسية لا تزال متشابكة على الأرض.
وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، سجلت سوريا تفجيرات وعمليات أمنية متعددة أسفرت عن خسائر بشرية، دفعت السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية في المدن والبادية، بينما قامت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بعمليات عسكرية مشتركة ضد تنظيم “داعش”، أسفرت عن مقتل أو اعتقال العشرات من المقاتلين، فيما تواصل التنظيمات المتطرفة إعادة تنظيم صفوفها واستغلال الفراغات الأمنية.
اقرأ أيضاً: هل تغيرت طبيعة الحرب ضد “داعش”؟
تفكك السلطة الداخلية وارتباطه بالعمليات المتطرفة
يرى إبراهيم كابان، مدير شبكة الجيوستراتيجي للدراسات، والمقيم في ألمانيا، في تصريحات لـ”963+” أن “تصاعد الهجمات المتطرفة مرتبط بطبيعة تركيبة الحكومة الجديدة في دمشق، التي تضم مجموعة فصائل متباينة ومتضاربة في توجهاتها، تشمل أطرافاً متطرفة وأخرى معتدلة، ومجموعات ذات نزعة عنصرية، إضافة إلى مجموعات موالية لتركيا وأخرى موالية لقطر. هذه التعددية خلقت حالة من التناقض الداخلي، أدّت إلى ردود فعل عنيفة من بعض الجماعات الجهادية السابقة”.
ويشير كابان إلى أن “انقلاب أحمد الشرع وبعض مسؤولي الحكومة الجديدة على أفكارهم السابقة أدى إلى خلق ردود فعل قوية من قبل مجموعات كانت تُصنّف سابقاً على أنها جهادية، وأن هذا التغير السياسي والفكري، إلى جانب التوجه نحو الولايات المتحدة، جاء في إطار تفاهمات مع الاستخبارات الأميركية لمواجهة التيارات المتطرفة مباشرة”.
ويؤكد كابان أن هذه العوامل مجتمعة “تشكّل السبب الرئيسي لوجود أطراف داخل مناطق سيطرة حكومة دمشق تقوم بردود فعل عنيفة، سواء عبر مواجهات مباشرة أو تنفيذ تفجيرات”، مشيراً إلى أن قبل وصول أحمد الشرع إلى دمشق، كانت هناك قوى تلتف حول “هيئة تحرير الشام”، وكانت مجموعات جهادية تتدفق بهدف إقامة ما كانت تُسمّى “إمارة إسلامية”. وانقلاب الواقع السياسي على فكرة “الإمارة الإسلامية” دفع بعض الأطراف المتطرفة إلى الانقلاب على أحمد الشرع نفسه، وهي الأطراف التي باتت تنفّذ أعمالاً تخريبية وتفجيرات في عدة مناطق سورية.
البعد الجغرافي للعمليات الأمنية والرمزية
يضيف كابان أن مثال مدينة تدمر يوضح استمرارية وجود تنظيم “داعش”، مشيراً إلى أن التنظيم موجود في المنطقة منذ نحو عشر سنوات، وأن هذه المنطقة تمثل نقطة تلاقٍ بين النفوذ الأميركي، وحكومة دمشق، وقوات سوريا الديموقراطية، بينما يتمركز التنظيم في المساحات الفاصلة بينها.
كما يرى أن “وجود مؤسسات حكومية في هذه المناطق يجعلها عرضة للاختراق من قبل عناصر متطرفة واستخباراتية، وأن هذه العناصر تطوّر أدواتها باستمرار وتعزّز حضورها”.
ويشير إلى أن تنظيم “داعش”، بعد حصاره في شمال شرقي سوريا، اتجه نحو البادية، مستفيداً من شساعة هذه المناطق وصعوبة ضبطها أمنياً، وأن المستفيد الأول من حالة البلبلة والفوضى بين السوريين هو تنظيم “داعش”، إذ استمرار عدم الاستقرار يعرقل أي حلول سياسية محتملة، بينما الجماعات المتطرفة تواجه مأزقاً حقيقياً بسبب تفاهمات حكومة دمشق مع التحالف الدولي لمكافحة التطرف، إضافة إلى دور قوات سوريا الديموقراطية.
من جانبه، يرى الدكتور طلال مصطفى، أكاديمي وباحث سوري مقيم في فرنسا، في تصريحات لـ”963+” أن تزامن التفجيرات أو تقاربها الزمني، إضافة إلى توزّعها على مدن مثل دمشق وحمص وحلب وتدمر، “يرجّح وجود تنسيق عام أو توجيه مشترك، أكثر من كونه حوادث معزولة”.
ويضيف أن التشابه في أساليب التنفيذ، نوع العبوات، توقيت العمليات، وطبيعة الأهداف الرمزية يشير إلى وجود “مرجعية تخطيطية واحدة أو تبادل خبرات بين المنفذين”.
ويؤكد أن “استهداف تدمر يحمل رسالة مزدوجة: داخلياً قدرة المنفذين على الوصول إلى مناطق يُفترض أنها مضبوطة أمنياً، وخارجياً تذكير بالرمزية السابقة للمدينة والصراع مع التنظيمات المتطرفة”.
اقرأ أيضاً: قيادة في الظل وخلايا في العلن: كيف أعاد داعش تشكيل نفسه بعد سقوط الباغوز؟
المستفيدون من الفوضى واستمرار العمليات
يشير كابان إلى أن المستفيد الأول من استمرار الفوضى هو الجماعات المتطرفة، إذ أنها تمنع توحيد الجهود العسكرية والأمنية بين دمشق و”قسد” والدروز وبقية الفعاليات السورية، وتجعلها الخاسر الأكبر في أي حل شامل مدعوم دولياً.
ويضيف أن بعض التيارات المتطرفة كانت متحالفة مع الشرع في البداية، ثم انقلبت عليه لاحقاً، وأن هناك تقاطعات مرحلية بينها وبين تنظيم “داعش” وفق منطق “عدو عدوي صديقي”، وأن هذه الشبكات تعمل ضمن إطار واحد، وتنفذ عمليات ضد الحكومة و”قسد” والأهداف الأميركية، مع اختراق بعض مفاصل وزارة الدفاع.
ويؤكد كابان أن دخول متطرفين إلى دمشق سابقاً تحت مسمى “الفتح” كان معروفاً، وأن تحركات حكومة دمشق وتعاونها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب دفعت هذه المجموعات إلى إعادة تنظيم نفسها، بما في ذلك تنظيم “حراس الدين” المرتبط بالقاعدة، مجموعات القاعدة الأجنبية، وبقايا تنظيم “داعش”، مؤكداً أنهم منظمون ويقودون اتصالات ولديهم قدرة على تنفيذ عمليات مركزة ضد السلطة الجديدة.
من جهته، يشير مصطفى إلى أن الأطراف المستفيدة تشمل الجماعات المتطرفة مثل “داعش”، إضافة إلى أطراف سياسية أو عسكرية معارضة مثل قوات سوريا الديموقراطية أو تنظيمات جديدة، التي قد تهدف إلى إظهار العجز الأمني أو تعطيل مسارات سياسية معينة.
كما لا يستبعد دور بعض الجهات الإقليمية مثل إسرائيل أو إيران أو “حزب الله” أو شبكات مصالح مختلفة التي ترى في زعزعة الاستقرار أداة تفاوض أو ضغط.
ويخلص مصطفى إلى أن التوقيت غالباً مرتبط بتحولات سياسية أو ترتيبات أمنية جارية، مثل التفاوض حول الجنوب السوري أو فرض وقائع أمنية وعسكرية جديدة على الأرض، وأن المؤشرات المتاحة تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد حوادث منفصلة، بل جزء من محاولة اختبار أو إرباك أمني جزئي للسلطات السياسية والأمنية الجديدة، مع بقاء الصورة النهائية رهينة التحقيقات والأدلة التقنية والاستخباراتية.










