يمثّل ملف سجناء تنظيم “داعش“ ومخيمات عائلات عناصره في شمال وشرق سوريا واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وخطورة في المشهد السوري الراهن، ليس فقط بسبب طبيعته الأمنية، بل بفعل تشابكه العميق مع الحسابات السياسية الدولية والإقليمية، وارتباطه المباشر بمستقبل الاستقرار في سوريا والمنطقة. فهذه السجون والمخيمات، التي تضم آلاف المقاتلين وعشرات الآلاف من النساء والأطفال المؤدلجين، لم تعد مجرّد قضية إنسانية أو أمنية مؤقتة، بل تحوّلت إلى عقدة استراتيجية مؤجلة، تُدار بمنطق الاحتواء لا الحل، وسط غياب واضح لأي أفق دولي جاد لإنهائها.
ويأتي هذا الواقع في ظل حالة من الجمود الدولي والارتباك السياسي الذي يحيط بالملف منذ سقوط آخر جيوب التنظيم الجغرافية في الباغوز عام 2019. فعلى الرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على هزيمة “داعش” عسكريًا، لا تزال هذه السجون والمخيمات تمثل إحدى أخطر بؤر التوتر ومصادر التهديد الأمني المستمر، محليًا وإقليميًا ودوليًا، في ظل تراجع الاهتمام الدولي، وتفضيل العديد من الدول إبقاء المشكلة خارج حدودها بدل التعامل معها بشكل مباشر.
ملف أمني أم ورقة سياسية؟
في هذا السياق، يرى نصرالدين إبراهيم، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، في تصريحات لـ”963+” أن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في الطبيعة الأمنية للملف، بل في طريقة التعاطي معه سياسياً. فبحسب إبراهيم، لا يُدار ملف معتقلي “داعش” ومخيمات عائلاتهم بوصفه قضية أمنية أو إنسانية فحسب، بل يُستخدم كورقة سياسية شديدة الحساسية، في ظل غياب الاعتراف الدولي بالإدارة الذاتية، وتشابك هذا الملف مع تعقيدات الصراع السوري الأوسع. هذا الواقع، وفق إبراهيم، أسهم في تكريس حلول جزئية وهشة، جرى اعتمادها كبديل عن حل شامل ومستدام.
ويتقاطع هذا الطرح مع قراءة الباحث في شؤون الحركات الجهادية حسن أبو هنية، الذي يؤكد لـ”963+” أن هذا الملف معروف ومعقّد منذ خسارة “داعش” آخر جيوبه الجغرافية، حيث باتت السجون والمخيمات تضم اليوم نحو 8500 مقاتل أجنبي وعربي، إضافة إلى ما يقارب 40 ألفًا من عائلاتهم، معظمهم من النساء والأطفال. ويرى أبو هنية أن هذا الحجم الهائل من المحتجزين يجعل من الملف أحد أعقد التحديات الأمنية في المنطقة، في ظل غياب أي رغبة دولية حقيقية لإغلاقه.
اقرأ أيضاً: نشاط “داعش” في البادية السورية.. معضلة طويلة الأمد – 963+
تنصّل دولي وحسابات داخلية
ويُجمع المتحدثون على أن التنصّل الدولي يشكّل العامل الأكثر تأثيراً في استمرار الأزمة. فبحسب أبو هنية، فإن الاستعدادات التي قامت بها بعض الدول، سواء في الاتحاد الأوروبي أو في العالم العربي، لاستعادة رعاياها كانت بطيئة ومحدودة للغاية، فيما لا تزال الغالبية العظمى من الموجودين في السجون والمخيمات من السوريين والعراقيين دون محاكمات أو برامج دمج أو إعادة تأهيل.
ويشرح أبو هنية أن الدافع الأساسي وراء هذا التردد هو سياسي بالدرجة الأولى، إذ ترى العديد من الدول الأوروبية أن استعادة هؤلاء قد تترتب عليها مخاطر أمنية داخلية، ما يجعل من الصعب إيجاد مسؤول سياسي مستعد لتحمّل هذه الكلفة.
ويضيف أن الإدارة الأميركية، ولا سيما خلال الولاية السابقة للرئيس دونالد ترامب، طالبت مراراً الدول باستعادة رعاياها، نظراً لقلة عدد المقاتلين الأميركيين، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة تُذكر.
من جانبه، يرى إبراهيم أن هذا التنصل الدولي فرض عبئاً أمنياً وسياسياً ثقيلاً على مناطق شمال وشرق سوريا، ودفع الجهات المعنية إلى اتباع سياسة “إدارة الأزمة” بدل العمل على إنهائها بشكل فاعل، سواء عبر مسارات قانونية واضحة أو حلول سياسية شاملة.
مأزق القانون والمحاكمات
قانونيًا، تتبدّى الأزمة بوصفها معضلة شبه مستعصية. فالكاتب السوري فراس علاوي يلفت في تصريحات لـ”963+” إلى أن هذا الملف تحكمه اعتبارات سياسية وأمنية معقدة، في ظل غياب قوانين واضحة في دول الأصل، ولا سيما الأوروبية، يمكن الاستناد إليها لإعادة المقاتلين ومحاكمتهم. ويؤكد أن هذه الإشكالية تشكّل العائق الأول أمام أي مسار قانوني أو سياسي جاد لمعالجة الملف.
ويضيف علاوي أن جزءاً كبيراً من عائلات المقاتلين يعاني من إشكاليات قانونية إضافية، تتعلق بغياب الجنسية أو عدم اكتمال البيانات الشخصية، سواء بسبب استخدام أسماء حركية خلال فترة الانخراط في التنظيم، أو غياب أسماء الآباء، ما يخلق صعوبات لوجستية وأمنية وسياسية في آن واحد.
كما يشير إلى أن عدم وجود اتفاقيات بين دول الأصل والحكومة السورية، التي لا تسيطر أصلاً على هذه السجون والمخيمات، يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل أي حل محتمل مؤجلاً.
ويعزّز أبو هنية هذا الطرح بالإشارة إلى فشل المقترحات التي طُرحت خلال السنوات الماضية، سواء لإنشاء محاكم دولية أو خاصة، أو لتولي دول إقليمية مثل العراق محاكمة هؤلاء، بسبب غياب الضمانات المتعلقة بالمحاكمة العادلة، والخلافات السياسية بين الأطراف المعنية.
اقرأ أيضاً: “داعش“.. اختراق الأمن يهدد المعركة! – 963+
تهديد أمني متجدد وبيئة حاضنة للتطرف
أمنياً، يحذّر المتحدثون من أن استمرار الوضع الراهن يحوّل السجون والمخيمات إلى بيئة مثالية لإعادة إنتاج التطرف. فبحسب إبراهيم، فإن بقاء هذه المواقع دون حلول جذرية يعني توفير بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف، ولا سيما بين الأطفال الذين نشؤوا داخل هذه المخيمات في ظل غياب التعليم والبرامج التأهيلية.
ويذهب أبو هنية إلى توصيف المحتجزين بأنهم يشكلون اليوم ما يشبه “جيش احتياط” لتنظيم “داعش”، مشيرًا إلى أنهم أصبحوا أكثر تشدداً وتطرفاً في ظل الفوضى والاختلالات القائمة في سوريا.
ويستحضر في هذا السياق هجوم التنظيم على سجن الصناعة في كانون الثاني/يناير 2022، والذي استمرت المعارك خلاله لأسابيع، باعتباره نموذجاً حياً لقدرة التنظيم على استثمار أي فراغ أمني.
ويرى فراس علاوي أن الخطر لا يقتصر على إعادة إنتاج الأيديولوجيا المتطرفة داخل السجون والمخيمات، بل يمتد إلى احتمالات الهروب، سواء لعناصر فردية أو مجموعات، في حال حدوث تغيّرات في الوضعين الجيوسياسي أو الأمني، محذراً من أن هؤلاء يشكّلون “قنابل موقوتة” إذا لم يتم التعامل معهم بشكل جذري.
محاكم دولية مؤجلة وصراع سياسي مفتوح
سياسياً، يلفت محمد أرسلان، السياسي السوري، في تصريحات لـ”963+” إلى أن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديموقراطية طرحت مرارًا مبادرة إنشاء محكمة دولية لمحاكمة عناصر “داعش” المعتقلين، ولا سيما القيادات والأمراء منهم، إلا أن معظم الدول تجاهلت هذه الدعوات بشكل واضح، في تنصّل وصفه بالفاضح من المسؤوليات القانونية والأخلاقية.
ويضيف أرسلان أن بعض الدول فقط استعادت رعاياها وقامت بمحاكمتهم، فيما لا تزال الغالبية تتعامل مع الملف بسياسة “غضّ الطرف”، مفضّلة ترك المعتقلين يواجهون مصيرهم المجهول.
كما يشير إلى أن الخلاف حول مصير هؤلاء لا يقتصر على البعد الدولي، بل يمتد إلى صراع داخلي مع الحكومة السورية التي تطالب بتسليم المعتقلين، وهو ما ترفضه الإدارة الذاتية رفضاً قاطعاً.
وتتقاطع قراءات المحللين عند خلاصة واحدة: ملف سجناء “داعش” ومخيمات عائلاتهم لم يُغلق لأنه لا يُراد له أن يُغلق. فغياب الإرادة الدولية، وتضارب الحسابات السياسية، وانعدام الأطر القانونية، كلها عوامل تُبقي هذا الملف مفتوحاً على احتمالات خطيرة، تجعل منه أحد أخطر التهديدات الكامنة للأمن المحلي والإقليمي والدولي، في انتظار لحظة انفجار قد تعيد “داعش” إلى واجهة المشهد، لا كدولة، بل كفكرة وتنظيم عابر للحدود.










