تشهد إسرائيل، في خضم ضغوط داخلية وقضائية غير مسبوقة، حالة من الانقلاب السياسي والاجتماعي — ما يجعل موقع رئيس الحكومة في بؤرة صراع مفتوح بين أحزاب الائتلاف الحاكم، المعارضة، الشارع، والقضاء. إذ لا تواجه حكومة نتنياهو فقط تركة محاكماته في قضايا فساد ورشوة، بل كذلك رفضاً شعبياً واسعاً لسياسات قدمتها على أنها إصلاحات، والتي اعتبرها كثيرون تهديداً لقواعد الديمقراطية الأساسية كما تشير وسائل إعلام عبرية.
ويترافق هذا التصدع الداخلي مع موجة احتجاجات غير مسبوقة: منذ أواخر 2023، خرج مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع في مدن مثل تل أبيب وغيرها، رفضاً لمحاولات الحكومة السيطرة على القضاء وتقييد استقلاليته، معتبرين أن مساعي الإصلاح القضائي ليست إلا درعاً لحماية القادة من المساءلة القانونية “وفق تقارير القناة 12 الإسرائيلية”.
وفي هذا المناخ الهش، تحاول حكومة نتنياهو المدعومة بحلفائها من اليمين المتطرف البحث عن “ورقة إنقاذ” خارج حدود إسرائيل: مشروع “منطقة منزوعة السلاح” في جنوب سوريا، واتفاق أمني محتمل مع دمشق، يُقدَّم على أنه خطوة استراتيجية تمهّد لاستقرار أمني طويل وربما إنجاز تاريخي يعيد صورته كرجل دولة قوي، ويمنحه غطاءً داخلياً ضد الانتقادات القضائية والسياسية وفق صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
لكن هذا المسعى ليس فقط سياسياً بل يُنظر له على أنه محاولة لتصفير الاحتقان، وإعادة رسم أولويات الأمن القومي في مواجهة ضغوط داخلية متصاعدة. وهذه المغامرة الديبلوماسية تأتي في ظل تذبذب داخل الائتلاف الحاكم نفسه: قوى متطرفة تطالب بإجراءات أمنية صارمة واعتبارات أيديولوجية، وأخرى وسطية أو حتى يمينية معتدلة توازن بين الحفاظ على مصالح إسرائيل الدولية وتهدئة الشارع وفق تقرير “القناة 13 الإسرائيلية”.
ويجعل هذا الصدام الداخلي أي اتفاق مع دمشق مهما بدت الشروط إسرائيلية هشاً وغير مضمون التنفيذ، خصوصاً في ظل اشتراط ضمانات أميركية ورفض شعبي واسع للسياسات التي اعتُبرت استبدادية.
إذاً، نتنياهو اليوم ليس في موقع القوة المطلقة؛ بل هو يحوم حول معادلة مزدوجة: إنجاز خارجي كبير مقابل إنقاذ سياسي داخلي، أي فشل يعني سقوط المشروع السياسي للحكومة في مستنقع أزمات متشابكة: قانونية، شعبية، أيديولوجية. بهذا الصراع، لا تُختبر فقط قدرة نتنياهو على إدارة مفاوضات دولية، بل مدى صمود اليمين المتطرف في وجه مطالِب الدولة والمؤسسات.
اقرأ أيضاً: هل تمارس واشنطن ضغطاً حقيقياً على إسرائيل لإجبارها على الحوار مع سوريا؟
أهداف سياسة نتنياهو
يقول فراس علاوي، كاتب ومحلل سياسي لـ “963+”، إن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة تعكس سعيه لرفع سقف المفاوضات مع سوريا والوصول إلى اتفاق أمني بشروط إسرائيلية، بما يخفف الضغط الداخلي عليه في ظل التحقيقات القضائية المفتوحة ضده سواء قبل أو بعد السابع من أكتوبر.
ويشير علاوي إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تواجه ضغوطاً كبيرة، سواء من المعارضة أو من الشارع، وأن هناك تحقيقات مستمرة تتعلق بسياسات نتنياهو وقرارات حكومته اليمينية.
ويضيف أن الاستراتيجية الإسرائيلية تهدف إلى إقامة منطقة منزوعة السلاح على الحدود مع سوريا لحماية الأمن الداخلي، وابعاد أي نشاطات محتملة على حدودها الجنوبية، إلى جانب تطبيق استراتيجية مماثلة في لبنان لضمان إزالة أي تهديد وجودي داخل الأراضي الإسرائيلية. وأوضح أن إسرائيل تعمل على نزع السلاح من عمق يتراوح بين أربعين وستين كيلومتراً، وفق ما ذكر سابقاً.
أما بالنسبة للضمانات الممكنة لإنجاح أي تسوية، فيرى علاوي أن الولايات المتحدة الأمريكية تعد الضامن الأكبر، إلى جانب موافقة الحكومة السورية على عدم التدخل الإسرائيلي وعدم دعم الفصائل الانفصالية، أو أي مشاريع تهدد استقرار الدولة السورية. لكنه شدد على أن إسرائيل لن تتمكن من الوصول إلى دمشق مباشرة دون وجود سلاح يضمن سيادة الدولة السورية.
ويحاول نتنياهو التوازن بين الضغط الداخلي والخارجي من خلال التقدم في سوريا ومحاولة تقليص نفوذ حزب الله في لبنان، بهدف تقديم إنجازات لرأي الجمهور الإسرائيلي وتخفيف الضغط القضائي والسياسي عليه، وفق لما تحدث به علاوي.
ويعتقد الكاتب السياسي، أن أي تسوية مع دمشق بدعم أمريكي قد تحقق أهداف إسرائيلية استراتيجية مثل إزالة السلاح من مناطق معينة، ما يُعتبر نجاحاً للحكومة ويخفف الضغط الداخلي عليها، كما يرضي الولايات المتحدة، التي يبرز توتر واضح بينها وبين حكومة نتنياهو بسبب عدم التوصل إلى اتفاقات في سوريا أو بسبب سياساته الإقليمية.
وبحسب علاوي، فإن طلب نتنياهو من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التدخل يأتي في إطار محاولته تقليل الضغط الداخلي الناجم عن المعارضة والشارع الإسرائيلي، مستغلاً الدعم الأمريكي كوسيلة تعزيز لقوته في الداخل.
ويتابع، أن أي حكومة إسرائيلية جديدة قد تنشأ في حال سقوط اليمين الحالي ستؤثر على مسار هذه المفاوضات، إذ قد تظهر قوى سياسية بديلة، سواء من الوسط أو اليسار، ستعيد ترتيب أولويات إسرائيل السياسية والأمنية.
ويوضح أن الانقسامات داخل تحالف نتنياهو تجعل أي تسوية داخلية معقدة، حيث يتطلب الوصول إلى اتفاق تلبية شروط القوى المنقسمة، في حين يلجأ نتنياهو إلى التصعيد خارج الحدود لتخفيف الضغط الداخلي.
ويؤكد أن أي استقرار أو هدوء في المنطقة قد يؤدي إلى إعادة فتح التحقيقات القضائية والسياسية ضده، وربما إجبار الحكومة على الاستقالة، وبالتالي مواجهة نتنياهو لمحاكمات تتعلق بالفساد وأحداث السابع من أكتوبر وسياسات اليمين الإسرائيلي منذ استلامه الحكم.
وبالنسبة للاتفاق مع سوريا، يرى علاوي أنه سيكون مؤقتاً، مهما كانت شروطه، إذ قد يشهد تصعيداً في حال صعود قوى ترغب في العودة إلى التوتر. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي الاتفاق إلى تهدئة الجبهات ومنح استقرار نسبي على المدى الطويل، لكنه لن ينهي حالة العداء نهائياً.
اقرأ أيضاً: بين القصف والتفاوض: كيف ستغير بيت جن معادلات دمشق – تل أبيب؟
المسار السياسي لليمين المتطرف
يقول مجاشع التميمي، باحث سياسي مقيم في بغداد لـ “963+”، إن سياسة إسرائيل اليوم نصفها سياسي ونصفها مناورة. ويضيف أن مطلب منطقة منزوعة السلاح مشروع أمنياً لكنه يُستغل سياسياً لصالح نتنياهو، وأن نجاح أي تسوية يعتمد على التزامات قابلة للقياس، وطرف ضامن خارجي قوي، وإرادة سورية داخلية واضحة، إضافة إلى شرط أميركي محدد. وبدون هذه الآليات، سيبقى أي اتفاق هشاً وربما مجرد استجابة لضغوط داخلية أكثر من كونه ضماناً للاستقرار الإقليمي.
ويذكر التميمي، أن مطالبة نتنياهو بمنطقة منزوعة السلاح في جنوب دمشق تعكس قلقاً أمنياً حقيقياً، سواء لحماية طرق الرصد أو التصدي لوجود ميليشيات قرب الهضبة والحدود، بالإضافة إلى المخاوف من الفصائل الشيعية في العراق، لكنه شدد على أن هذه المطالب تأتي في ظرف سياسي داخلي حساس، وبالتالي تُستغل أيضاً كأداة تفاوض داخلية وخارجية لإظهار نتنياهو كقائد يحمي الأمن الإسرائيلي قبل أي تنازل سياسي.
ويضيف أن الضمانات الواقعية تشمل آليات مراقبة دولية، والتزامات أميركية صريحة، وخطة مرحلية قابلة للتحقق، ووجود طرف ثالث ضامن مع آليات عقوبات وحوافز واضحة، مشيراً إلى أن غياب هذه الآليات يجعل أي اتفاق هشاً ويحوله إلى مجرد تجميل سياسي.
ويحاول نتنياهو بحسب التميمي موازنة ثلاثة أهداف: تصوير نفسه كقائد يحقق إنجازاً أمنياً ودبلوماسياً، امتصاص غضب الشارع والقضاء، والحفاظ على تحالفه البرلماني، لافتاً إلى أن أي تنازل أمام دمشق يتطلب أيضاً تضحيات داخلية قد تؤدي إلى انشقاقات أو ابتزاز من شركائه.
ويوضح أن البعد السياسي لمطالب نتنياهو مزدوج، فهو محاولة لإنهاء معركته القانونية، ورسالة إلى قواعده بأن لديه سنداً خارجياً قويًا يعزز صورته كقائد لا ينهزم. لكنه حذر من أن ربط القضايا الشخصية بالدبلوماسية يعرضه لاحقاً لاتهامات بتوظيف السياسة الخارجية لخدمة مصالح شخصية.
لكن في الوقت نفسه يؤكد التميمي أن نجاح عملية إخراج نفوذ الميليشيات قد يضعف الحجة الأمنية التي يستند إليها اليمين المتطرف، ما يفتح فراغاً سياسياً قد يعيد ترتيب المشهد تدريجياً. وشدد التميمي على أن استمرار نتنياهو يعتمد على شركائه البرلمانيين، الذين يزودونه بالكتل الحيوية ولكنه مرتبط بمطالبهم الأمنية والقضائية والأيديولوجية، ما يحد من مرونة إسرائيل الدبلوماسية.
ويعبر الباحث السياسي العراقي عن اعتقاده بأن ملفات مثل سوريا ولبنان والضفة تُدار بحذر مفرط أو عبر مناورات خارجية لإظهار القدرة دون تقديم تنازلات جوهرية، مشيراً إلى أن أي اتفاق مبكر سيكون هشاً ومصمماً لتهدئة مؤقتة ما لم يصحبه آليات تطبيق صارمة والتزام دمشق بقطع العلاقة مع الميليشيات الإيرانية وضمان أميركي أو دولي قابل للتنفيذ، وإلا سينحصر الاتفاق في “تهدئة مؤقتة” دون استقرار طويل الأمد.










