تقف سوريا، بعد سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، عند مفترق طرق مصيري يتشابك فيه الداخلي بالإقليمي ويتداخل فيه الأمني بالاقتصادي. مرحلة انتقالية هشّة تحاول أن ترسو على أرض صلبة، لكنها ما تزال محكومة بتوازنات سلاح معقدة، وحكومة انتقالية محدودة القدرة، وتقاطعات قوى إقليمية ودولية تضبط إيقاع التطورات أكثر مما تضبطه المؤسسات السورية نفسها. وعلى هذا الأساس، تتوزع السيناريوهات المحتملة بين استقرار نسبي وانفتاح تدريجي، أو استمرار المساومات الإقليمية والضغوط الدولية، أو الانزلاق مجدداً نحو الفوضى والتصعيد الأمني.
مشهد الانتقال الهشّ
المسار الانتقالي الحالي لم يتحول بعد إلى صيغة مستقرة، رغم سقوط النظام السابق. شبكة واسعة من القوى المسلحة المحلية، ووجود لاعبين أجانب، ونفوذ دول إقليمية كتركيا وإيران والسعودية وإسرائيل، تجعل المسار السوري محكوماً بمعادلة “الأمن بالتوافق الإقليمي” أكثر من كونه “أمناً وطنياً ذاتياً”.
في هذا السياق، يقول الدكتور محمد اليمني، أستاذ العلاقات الدولية في القاهرة، لـ”963+” إن المشهد يتوزع على ثلاثة مسارات محتملة، مضيفاً: “المشهد السوري يقف اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: استقرار نسبي وانفتاح تدريجي، أو تعقيدات إقليمية وضغوط دولية، أو احتمال تصعيد أمني وعودة الفوضى”.ويتابع: “مستقبل سوريا مرهون بتقاطعات معقّدة لمصالح إقليمية ودولية، وليس فقط بقدرة السلطة الانتقالية”.
اقرأ أيضاً: سباق داخل واشنطن: من ينتصر في معركة بقاء أو إلغاء قانون قيصر؟ – 963+
سيناريو الاستقرار النسبي والانفتاح التدريجي – ممكن لكنه هشّ
يرتكز هذا السيناريو على نجاح الحد الأدنى من الترتيبات الأمنية والسياسية، واستمرار عمل الحكومة الانتقالية، وتقدّم تدريجي في ضبط الفصائل عبر مسارات دمج وإعادة هيكلة.
الدكتور اليمني يراهن على إمكانية حدوث هذا المسار، قائلاً: “سيناريو الانفتاح والاستقرار يظل ممكناً في حال ترافق الانفتاح الدبلوماسي مع تسويات جزئية في ملفات الأمن والمساءلة وإعادة الإعمار”.
ويضيف: “المسار هش لكنه متاح، شرط التوفيق بين مصالح الخليج وتركيا وروسيا والغرب”.
من الناحية الأمنية، يحذّر المستشار العسكري صفاء الأعسم في تصريحات لـ”963+” من أن عدم إعادة التنظيم قد ينقلب سريعاً إلى تهديد، مشدداً: “الوضع الأمني في سوريا يتطلب إعادة هيكلة شاملة وتنظيماً دقيقاً… وإلا فإن تشظي القوى المسلحة قد يقود إلى انفجار واسع”.
ويؤكد ضرورة عدم تكرار أخطاء العراق: “حلّ الجيش كما حدث في العراق سيقود إلى فوضى لا تُحمد عقباها ويُدمّر شرف المهنة العسكرية”.
وفي البعد السياسي والاجتماعي، يرى البروفيسور كامل حواش كاتب ومحلل سياسي، في تصريحات لـ”963+” أن النجاح مشروط بتسوية سياسية واقعية: “الانتقال نحو استقرار تدريجي ممكن لكنه بطيء… وهو مرتبط باتفاق لا غالب فيه ولا مغلوب بين أطراف من النظام والمعارضة والإدارات المحلية”.
سيناريو التعقيدات الإقليمية والضغوط الدولية – استقرار مجمَّد
هنا تبقى المرحلة الانتقالية قائمة شكلياً لكنها مشلولة بفعل التنافس الإقليمي وملف العقوبات. ويرى الدكتور اليمني أن هذا السيناريو هو الأقرب على المدى المتوسط: “السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حالة اللا حرب واللا سلام… انفتاح محدود وإعادة إعمار جزئية تحت قيود سياسية واقتصادية”.
ويتابع: “أي تفاهمات بين موسكو والخليج وأنقرة وواشنطن قد تدفع نحو الاستقرار… والصدام بينها سيعيد إنتاج الفوضى”.
أما البروفيسور حواش فيشير إلى مأزق الشرعية والثقة داخل البنية الانتقالية: “السلطة الانتقالية تعاني من نقص ثقة عميق وهشاشة تمثيل بعض المكونات… ووجود السلاح والاقتصاد غير الرسمي يعيق أي عقد اجتماعي جديد”.
اقرأ أيضاً: هل تمارس واشنطن ضغطاً حقيقياً على إسرائيل لإجبارها على الحوار مع سوريا؟ – 963+
سيناريو التصعيد الأمني وعودة الفوضى – تهديد حقيقي
أي فشل في ضبط السلاح أو انهيار اقتصادي أو انفجار طائفي يمكن أن يجر البلاد إلى تكرار دوامات العنف السابقة. وعليه يحذر الأعسم بوضوح: “السيناريو الأخطر هو عودة التنظيمات الجهادية واحتقان طائفي متصاعد… وقد وردت تقارير عن عمليات قتل جماعي خلال الأيام الأخيرة”.
ويضيف: “إذا لم يتم إبعاد الجماعات المسلحة وتقريب المكونات الاجتماعية، فقد تتكرر تجربة العراق عند صعود داعش”.
من جانبه، يربط اليمني خطر الفوضى بالتنافس الإقليمي: “عودة الفوضى محتملة إذا تصاعد التنافس بين تركيا وإيران أو انهارت قدرة السلطات على ضبط الأوضاع الأمنية”.
أما حواش فيربطها بالاقتصاد المنهار: “أي تعثر اقتصادي حاد قد يدفع نحو ارتداد أمني أو تفكك جزئي للدولة”.
بين الأمن والاقتصاد والشرعية
ترجّح مساراً على آخر جملة عوامل، أبرزها: “قدرة السلطة الانتقالية على فرض قراراتها على الجيش والأمن والفصائل. مدى نجاح دمج قوات سوريا الديمقراطية والفصائل المعارضة والتشكيلات السابقة الموالية لإيران. طبيعة مواقف الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والخليج من العقوبات وإعادة الإعمار. حجم التعافي الاقتصادي وقدرة الحكومة على تحسين الخدمات ومنع الانهيار الاجتماعي”.
وفي هذا الإطار، يختتم اليمني: “المؤشرات المبكرة ستحدد أي سيناريو يقترب من التحقق… لكن الأكثر ترجيحاً هو الاستقرار النسبي تحت سقف قيود سياسية وأمنية مستمرة”.
بينما يؤكد حواش أن التحول إلى قصة نجاح انتقالية “يتطلب توافقاً دولياً نادراً”، ويشدد الأعسم على أن أي خطأ في الهيكلة قد يعيد البلاد إلى “دائرة العنف المفتوح”.
تبدو سوريا مقبلة على مرحلة من استقرار مشروط قد يتجمّد طويلاً، مع بقاء احتمال الانزلاق إلى الفوضى إذا تعثرت ترتيبات الأمن والاقتصاد. ورغم أن السيناريوهات المطروحة قد تتداخل في مسار واحد يتقدّم فيه ملف ويتراجع آخر، يتفق المراقبون على أن نافذة الاستقرار الضيقة ما تزال مفتوحة، لكنها تتطلّب توافقاً إقليمياً، وضبطاً للسلاح، وإصلاحاً اقتصادياً، إضافة إلى إرادة سياسية محلية تدير الانتقال بدل الاكتفاء بتعليقه.










