تعيش المرأة السورية العاملة اليوم تحت ضغطٍ مستمر من المسؤوليات المتشابكة، بين متطلبات العمل التي تتطلب حضوراً دائماً، وبين مهام المنزل وتربية الأطفال التي لا تنتهي. ومع غياب الدعم الكافي من الأسرة أو المؤسسات، تجد كثير من النساء أنفسهن في معركة يومية لتحقيق توازن شبه مستحيل بين دورهن كمصدر دخل أساسي للأسرة، ودورهن كأمهات يسعين لتوفير بيئة مستقرة لأطفالهن. هذا التحدي أصبح جزءًا من حياة شريحة واسعة من النساء في مختلف المدن والمناطق السورية، إذ يختبرن صلابتهن النفسية والاجتماعية في كل لحظة من يومهن.
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد العمل خياراً ثانوياً، بل ضرورة ملحة للمساهمة في إعالة الأسرة. لكن هذه الضرورة غالبًا ما تأتي على حساب الوقت المخصص للأطفال أو الراحة الشخصية، مما ينعكس على الحالة النفسية والاجتماعية للمرأة.
ورغم هذه التحديات، تثبت المرأة السورية يوماً بعد آخر قدرتها على التكيف والمثابرة، لتصبح رمزًا للاستقرار داخل الأسرة، محافظة على دورها التربوي ومسؤليتها الأسرية، بينما تعمل على إعادة بناء المجتمع من خلال صمودها وإرادتها.
اقرأ أيضاً: أمهات وزوجات المفقودين في سوريا.. وجع بلا نهاية – 963+
تنظيم الوقت وتقدير الجهد
نوال محمد أمين حسن، أم سورية عاملة، تقول لـ”963+” إن تنظيم الوقت وتحديد الأولويات بين العمل والمنزل يشكلان أساس نجاح المرأة واستقرار أسرتها.
وتشير إلى أن أصعب ما تواجهه هو تلبية الاحتياجات النفسية لأطفالها، إذ تؤثر ساعات العمل الطويلة على علاقتها بهم وتمنعها أحيانًا من الاهتمام بنفسها.
وترى نوال أن الظروف الاقتصادية تدفع الكثير من النساء إلى العمل لتأمين متطلبات أسرهن والمساهمة في الدخل، إلى جانب السعي لتحقيق الاستقلال المالي والقدرة على اتخاذ القرار. لكنها تضيف أن المجتمع لا يمنح المرأة العاملة التقدير الكافي، إذ لا تزال النظرة التقليدية تحصر دورها في المنزل فقط.
وتوضح نوال أن العمل يترك أثراً مزدوجاً على الأسرة: فهو يمنح الأطفال نموذجاً إيجابياً في الاجتهاد والمسؤولية، لكنه يقلل في الوقت نفسه من وقت الأم معهم.
وتختم حديثها بالتأكيد على أن دعم الأسرة والمؤسسات ضروري لتحقيق التوازن، من خلال تفهم الضغوط، والمشاركة في المسؤوليات المنزلية، وتوفير سياسات عمل مرنة وخدمات لرعاية الأطفال.
غياب الدعم والمرونة يزيد أعباء المرأة السورية العاملة
الإعلامية السورية نيرمين يوسف، التي تركز على قضايا المرأة، تقول لـ”963+” إن التحديات التي تواجهها المرأة السورية تتجاوز ضيق الوقت لتصل إلى أبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية أعمق. تعدد المسؤوليات يجعل المرأة تعيش تحت ضغط دائم لتحقيق التوازن بين العمل ورعاية الأسرة، ما يؤدي إلى توتر وإرهاق نفسي، خصوصاً في ظل غياب المرونة في بيئات العمل وندرة السياسات التي تراعي احتياجات الأمهات.
وتشير يوسف إلى أن الأزمة الاقتصادية دفعت الكثير من النساء إلى دخول سوق العمل كمعيلات أساسيات لأسرهن، غالبًا في قطاعات غير رسمية كالمشاريع الصغيرة أو العمل المنزلي، مما زاد أعباءهن وجعلهن أكثر عرضة للاستغلال وضعف الحماية الاجتماعية.
وتؤكد أن الحل لا يكمن فقط في قدرة المرأة على تنظيم وقتها، بل في توفير بيئة عمل عادلة وداعمة تشمل ساعات مرنة وخدمات رعاية أطفال، إضافة إلى نشر ثقافة مجتمعية تشجع على تقاسم المسؤوليات بين الزوجين وتقدير دور المرأة كفاعل اقتصادي واجتماعي أساسي.
اقرأ أيضاً: المرأة السورية بين التهميش والبحث عن الاعتراف – 963+
تمكين المرأة مفتاح التوازن بين العمل والأسرة
إنديرا وليكا، المديرة التنفيذية لجمعية شاوشكا للمرأة، تشير إلى أن واقع المرأة السورية العاملة يعكس تحديات كبيرة في تحقيق التوازن بين متطلبات العمل ومسؤوليات الأسرة، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
ورغم أن النساء السوريات قطعن خطوات مهمة نحو المشاركة في سوق العمل، إلا أن غياب الدعم المؤسسي مثل الحضانات وساعات العمل المرنة يجعل الموازنة صعبة.
وتوضح وليكا في تصريحات لـ”963+” أن العوامل الاجتماعية مثل التقاليد التي تلقي على المرأة وحدها مسؤولية الرعاية الأسرية، وضعف مشاركة الرجال في الأعمال المنزلية، بالإضافة إلى النظرة التي تعتبر عمل المرأة ثانوياً، تزيد من صعوبة تحقيق هذا التوازن.
ومن الناحية الاقتصادية، بحسب وليكا، يؤكد انخفاض الدخل وغياب السياسات المرنة على إجبار النساء للعمل لساعات طويلة وسط ضغوط معيشية متزايدة، في ظل ضعف البنية التحتية العامة كالمواصلات وخدمات الرعاية.
وتلفت وليكا إلى أن السياسات في بيئة العمل السورية ما تزال قاصرة عن تلبية احتياجات الأمهات العاملات، سواء في القطاع العام أو الخاص. ورغم بعض الإجراءات المحدودة مثل تقليل ساعات الدوام أو منح إجازات إضافية للأمهات، إلا أنها لا تزال غير معممة على نطاق واسع.
وترى المديرة التنفيذية أن برامج تمكين المرأة يمكن أن تسهم بشكل فعال في تحقيق التوازن الأسري من خلال تعزيز استقلالها الاقتصادي وتنمية مهارات التنظيم وإدارة الوقت، مما ينعكس إيجابياً على استقرار الأسرة وتوزيع الأدوار بشكل أكثر عدالة. المرأة التي تمتلك دخلاً وتعليماً وثقة بالنفس تكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مشتركة داخل الأسرة وتجنب التبعية الاقتصادية.
وتقترح وليكا مجموعة من الإجراءات العملية لدعم الأمهات العاملات، منها: “توفير ساعات عمل مرنة أو إمكانية العمل عن بعد. إنشاء مراكز رعاية أطفال قرب أماكن العمل والمدارس. تخصيص إجازات طارئة خلال الفترات الدراسية أو الصحية. تطوير برامج تربوية تساعد الأمهات في متابعة تعليم أطفالهن. فتح قنوات تواصل مرنة بين المدارس والأمهات العاملات”.
قصتا نوال محمد ونيرمين يوسف تلخصان بوضوح رحلة المرأة السورية العاملة اليوم: الأولى تحارب على المستوى الشخصي لتنظيم حياتها بين البيت والعمل، والثانية تبرز الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد الأعباء اليومية. معاً، تشكلان لوحة صمود وإصرار، تؤكد أن المرأة السورية، رغم التحديات، قادرة على حماية أسرتها وتحقيق استقلالها.
وتبرز التجارب الحاجة الملحة إلى دعم مجتمعي ومؤسسي حقيقي، ليصبح التوازن بين العمل والأسرة ليس مجرد حلم، بل واقعاً ممكناً، يضمن استقرار الأسرة ونمو الأطفال في بيئة صحية ومستقرة.










