يحمل المهجرون من مدينة رأس العين (سري كانيه) مفاتيح بيوتهم في جيوبهم كما يحملون في قلوبهم رائحة الذكريات التي لم تبهت رغم مرور السنوات. ست سنوات مرّت منذ اضطروا إلى مغادرة منازلهم تحت وطأة القصف والهجمات، ولا تزال تلك المفاتيح رموزاً لصبرٍ لا ينكسر وأملٍ لا يخبو.
جدران بيوتهم التي كانت شاهدة على ضحكاتهم وأحاديثهم، صارت اليوم شاهدة على الغياب. أما الخيام التي تؤويهم في المخيمات، فقد غدت عنواناً لحياة معلقة بين الرجاء والانتظار.
وتقع مدينة رأس العين (سري كانيه بالكردية) في ريف محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، على الحدود السورية – التركية. وتعدّ من المدن المتنوعة عرقياً، إذ يعيش فيها العرب والكُرد والآشوريون والتركمان معًا منذ عقود، وكانت قبل عام 2019 من المناطق التي تتمتع باستقرار نسبي.
وفي تشرين الأول/أكتوبر عام 2019، شنت تركيا عملية عسكرية أطلقت عليها اسم “نبع السلام” بالتعاون مع فصائل من المعارضة السورية المسلحة، بهدف السيطرة على الشريط الحدودي الممتد بين تل أبيض ورأس العين.
اقرأ أيضاً: عبدي: لجنة عسكرية ستتوجه إلى دمشق لبحث الاندماج بالجيش السوري – 963+
وأسفرت العملية عن سيطرة القوات التركية والفصائل الموالية لها على المدينة بالكامل، بعد معارك عنيفة استمرت عدة أيام، رافقها نزوح عشرات الآلاف من المدنيين نحو مناطق ريف الحسكة، خصوصًا إلى مخيمي واشو كاني (التوينة) وتل السمن.
ومنذ ذلك الحين، يُمنع معظم سكان المدينة الأصليين من العودة إلى منازلهم بسبب استمرار وجود الفصائل المسلحة واتهامات بارتكاب انتهاكات تتعلق بالاستيلاء على الممتلكات والتغيير الديموغرافي، وفق تقارير منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية.
اليوم، وبعد مرور أكثر من ست سنوات على العملية، يعيش عشرات الآلاف من المهجرين في ظروف قاسية داخل المخيمات، بينما تبقى قضية رأس العين واحدة من أبرز ملفات النزوح القسري شمال سوريا، في ظل غياب أي تسوية سياسية تضمن عودتهم الآمنة.
ذكريات لا تغيب وضيق في المعيشة
بصوتٍ يحمل وجع الفقد والحنين، تتحدث غزالة داؤود لـ”963+” عن اليوم الذي أُجبرت فيه على مغادرة منزلها، فتقول: “يومٌ أسود.. عندما أغلقنا أبوابنا وسط دخان الطائرات. كنا نظن أننا سنعود خلال أيام، لكن للأسف، على مدار السنوات الست الماضية، بقيت مفاتيحنا في جيوبنا، والمحتل يقبع على بيوتنا وأكتافنا”.
وتروي نادية الحريري من المكون العربي حكاية أخرى من المخيم، لا تقل ألماً عن سابقتها، فتقول لـ”963+”: “صيفاً وشتاءً.. حتى ولادنا ما عم تلاقي تعليم جيد مثل ما كنا في رأس العين، والشيوخ أيضاً العيشة في المخيم صعب لهم”.
وتشير نادية إلى أن الخيام المهترئة وانتشار القمامة والأمراض بين الأطفال لم تُثنِهم عن البقاء داخل البلاد، مضيفة: “ما تركنا سوريا، متمسكين بحلم العودة إلى بيوتنا مهما طال الزمن”.
اقرأ أيضاً: مصدر خاص لـ”963+”: إرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود السورية – العراقية – 963+
صامتون من أجل العودة
في زاوية من مخيم “واشو كاني”، في الحسكة، حيث لا ظلّ يقي من حرّ الشمس ولا سقف يمنع برد الشتاء، يجلس محمد العبد الله متأملاً واقعاً لم يختره، فيقول لـ”963+”: “أصبح لنا ست سنوات في المخيم، لا عمل هنا، لا ليلنا ليل ولا نهارنا نهار، حتى أبسط مقومات المعيشة لا توجد”.
ويضيف: “رغم استيلائهم على أرضنا وبيوتنا، إلا أننا صامتون من أجل العودة الآمنة لنا ولأطفالنا”.
هكذا، يتشبث محمد ورفاقه بما تبقى من الأمل، معتبرين الصبر والمطالبة بالحق في العودة أشكالاً من المقاومة اليومية ضد واقع اللجوء والتهجير.
ووسط كل هذه المعاناة، يرفع المهجرون صوتهم إلى العالم مطالبين بحماية حقهم الإنساني في العودة الآمنة إلى ديارهم.
تقول غزالة داؤود: “أعظم ثورة هي المقاومة التي نخوضها اليوم بهدف العودة إلى ديارنا، لكن عودتنا يجب أن تكون تحت إشراف الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان”.
ويكرر محمد العبد الله النداء نفسه: “نرجو من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الحفاظ على حقنا في العودة الآمنة، فهذا حقنا الطبيعي”.
أرقام موجعة وواقع مرير
بحسب لجنة مهجري سري كانيه، فقد تم تهجير نحو 87% من سكان المدينة منذ عام 2019، فيما تعيش أعداد كبيرة منهم في مخيمات شمال الحسكة بأوضاع توصف بالبائسة.
ووفقاً لإحصاءات رابطة تآزر للضحايا: “مخيم واشو كاني (التوينة) يضم نحو 16,250 شخصاً (2,260 عائلة). مخيم تل السمن يضم 6,960 شخصاً (1,247 عائلة). مخيم سري كانيه (الطلائع) يأوي 16,691 شخصاً (2,615 عائلة)”.
ورغم هذه الظروف، لم يفقد سكان المخيمات إيمانهم بحق العودة، ولا يزال المفتاح في جيب كل واحدٍ منهم رمزاً لصمودٍ وعنادٍ في وجه النسيان.










