تصاعدت وتيرة النقاش في الساحة السياسية السورية خلال الساعات الماضية حول الطريقة الجديدة لانتخابات مجلس الشعب، التي تمت من خلال ما يُعرف بـ “الهيئات الناخبة”، وهي آلية اعتُمدت بديلاً عن الاقتراع المباشر، بحجة تنظيم العملية الانتخابية وتوسيع المشاركة المجتمعية المنظمة، وأن هذا نظام مؤقت جاء استجابة لظروف استثنائية تمر بها البلاد، رغم التباين الواضح بشأن شرعيته ومثاليته.
بموجب النظام الجديد، انتخبت اللجان الناخبة 140 عضواً في البرلمان السوري الأول في النظام الجديد، فيما يعيّن الرئيس أحمد الشرع 70 عضواً، أو الثلث المتمم للبرلمان، ليصبح العدد الإجمالي للنواب 210 نائباً، وذلك بعد تقسيم البلاد إلى 50 دائرة انتخابية في 11 محافظة من أصل 14. ويختلف عدد المقاعد في كل محافظة تبعاً للكثافة السكانية. وأشرفت لجان فرعية على تشكيل الهيئات الناخبة في كل دائرة، بينما تولت اللجنة العليا للانتخابات إصدار القوائم النهائية للمرشحين في 11 محافظة سورية، بينما تم استثناء السويداء ذات الأغلبية الدرزية، والحسكة والرقة في مناطق الإدارة الذاتية لشماتل وشرق سوريا، ما يعكس استمرار التحديات أمام شمولية العملية السياسية في هذا النظام الانتخابي.
أوسع تمثلاً؟!
وفقاً للقوانين الانتخابية المعدلة، تُشكّل الهيئات الناخبة من ممثلين عن النقابات، والاتحادات المهنية، والمنظمات الشعبية، وغرف التجارة والصناعة، والمجالس المحلية. تنتخب هذه الهيئات ممثلين عنها لمجلس الشعب، بدلاً من التصويت الشعبي المباشر الذي كان معمولاً به سابقاً. يقول أحد أعضاء اللجنة الدستورية السابقين (طلب عدم ذكر اسمه) لـ”963+”: “كانت الفكرة تهدف إلى جعل البرلمان أوسع تمثيلاً للفئات المنتجة والمهنية، من خلال منح النقابات والاتحادات سلطة ترشيح وانتخاب ممثلين عنها، لضمان وجود صوت مهني ومتخصص في المجلس”.
اقرأ أيضاً: برلمان بتصويت غير مباشر: سوريا تجرّب ديموقراطيتها الأولى بعد الثورة – 963+
تبدأ آلية الانتخاب بتشكيل هيئات ناخبة في كل محافظة، وفقاً لقوائم معتمدة، ثم يُفتح باب الترشّح ضمن كل هيئة وفقاً لشروط محددة تتعلق بالعضوية والخبرة. وتجري الانتخابات داخل كل هيئة لاختيار عدد من الممثلين بحسب النسبة المخصصة لها في مجلس الشعب، ثم تُرفع النتائج إلى اللجنة العليا للانتخابات لاعتمادها وإعلان أسماء الفائزين. وبهذا، لا يصوّت المواطن العادي إلا إذا كان عضواً في إحدى الهيئات، وهذا يعني تقليص المشاركة الشعبية المباشرة لصالح التمثيل النقابي والمؤسساتي.
في استطلاع محدود للرأي أجراه “963+” في مناطق سورية عدة، تباينت الآراء بين من رأوا أن الطريقة الجديدة “تنظم العملية وتحدّ من الفوضى”، ومن اعتبروا أنها “تنتقص من حقّ المواطن في اختيار ممثليه مباشرة”. وهناك من لم يبدوا رأياً واضحاً، وقالوا إن المهم هو الغاية لا الوسيلة!
يعكس تحليل هذا الجدل واقعاً سياسياً معقداً في سوريا ما بعد الأسد، حيث يتزاحم الأمل في بناء مسار ديموقراطي جديد مع مخاوف من استمرار احتكار السلطة بأساليب قديمة – جديدة، وسط تحديات أمنية وجغرافية عميقة تهدد وحدة العملية الانتخابية وشرعيتها. من هنا السؤال الملحّ: هل الانتخابات في سوريا خطوة نحو التغيير، أم هي إعادة إنتاج الواقع بعيوبه من دون أي نية لإصلاحه؟
اقرأ أيضاً: لجنة انتخابات مجلس الشعب: نسبة المشاركة بالاقتراع 95% – 963+
يرى مؤيدو الانتخاب من خلال الهيئات الناخبة أنها خطوة عملية وملائمة اليوم، في ظل ظروف سياسية وأمنية استثنائية تمر بها البلاد، تبعاً لما قاله حسن الدغيم، عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، لوسائل إعلام محلية، مضيفاً أن الهدف هو تأكيد شرعية المؤسسة التشريعية تزامناً مع تمثيل كفاءات لا تصل إلى البرلمان بالانتخاب المباشر، حيث يعين الرئيس ثلث أعضاء المجلس. ورأى أن هذه الانتخابات “تعزز قدرة الدولة وتخفف الضغوط الدولية على الحكومة الجديدة، مع إبراز صورة انتقال سياسي يمثل بداية حياة سياسية جديدة تلائم المرحلة الانتقالية”.
ولمَ استبعاد الاقتراع المباشر كآلية لاختيار أعضاء البرلمان؟ يكرر الدغيم الحجج نفسها: “صعوبة توفير إحصاء شامل ودقيق للناخبين فى هذه المرحلة الانتقالية من عمر الدولة السورية، لا سيما بعد عمليات النزوح من منطقة لأخرى، أو نتيجة لعمليات اللجوء خارج الدولة التى قام بها الملايين من السوريين في عهد الأسد، وفقدان الكثير من السوريين داخل المعتقلات، وفقدان الوثائق والمستندات الخاصة بالعديد منهم في سنوات الصراع، الأمر الذى يجعل من عملية وضع قوائم انتخابية لمن يتمتع بالحق في الاقتراع غاية في الصعوبة وعدم الدقة، فضلاً عن صعوبات لوجستية قد تواجه تنظيم عملية الاقتراع لتشمل السوريين خارج سوريا”.
إقصاء المواطن العادي
ماذا إذاً عن الديموقراطية؟ يجيب المحلل السياسي الدكتور عبدالله الأحمد سؤال “963+”، قائلاً: “في الأنظمة الحديثة، لا تُقاس الديموقراطية بعدد المشاركين في العملية الانتخابية، بل تقاس بتمثيلهم الحقيقي للفئات الفاعلة في المجتمع”. ويضيف مؤيداً الدغيم وحججه: “الهيئات الناخبة تضمن تمثيلاً للمهنيين والعمال والمزارعين والتجار، بعيداً عن العصبيات والمحسوبيات”. وهذا ما تفنّده الصحفية رنا مصطفى المتخصصة في الشأن البرلماني، إذ تقول لـ “963+”: “إن العملية الانتخابية من خلال الهيئات الناخبة، من دون اقتراع شعبي مباشر، تُبعد المواطن العادي عن المشاركة السياسية، فتتحول معها العملية إلى انتخابات داخلية بين نخب محددة، وغالباً ما تكون هذه الهيئات والنخب خاضعة لتوجهات رسمية، وهذا يقلل من التعددية ويضعف التمثيل الحقيقي”.
ويُجمل رأي مصطفى توجه المعارضة داخل الطيف السياسي السوري وخارجه، التي تنتقد الانتخابات غير المباشرة، وترى أنها تكرار لأساليب نظام الحكم السابق بطرق جديدة. وبحسب هذه المعارضة، الهيئات الناخبة لا تمثل الشعب بشكل مباشر، إنما تعزز سيطرة السلطة التنفيذية من دون انتخابات حرة.
ويعقب الكاتب نضال محمود، في تصريحات لـ “963+”، قائلاً: “هذا النظام الانتخابي الذي يعتمد الهيئات الناخبة من دون اقتراع مباشر، معتمد في دول مثل الصين وكوبا، التي تحكمها أنظمة ذات طابع حزبي موحد أو مركزي، وفيها تختار مجالس محلية وهيئات ناخبة موالية للحزب الحاكم ممثليها في البرلمان الأعلى. وبالتالي، هذا النظام الانتخابي لا تعتمد أنظمة حكم تسعى إلى توسيع المشاركة الشعبية المباشرة”.
اقرأ أيضاً: انطلاق الاقتراع لانتخاب مجلس الشعب: أول تجربة برلمانية منذ رحيل الأسد – 963+
أزمة ثقة متجددة
في سياق هذا الجدل، يتوقف محللون عند التجربة الميدانية في بعض المحافظات، والتي كشفت عن قصور بنيوي في هذا النظام، أبرزها تجربة دير الزور. ويقول المحلل السياسي نجم صقر لـ”963+” إن انتخابات مجلس الشعب في محافظة دير الزور جسدت عمليًا المخاوف التي أثارها معارضو النظام الجديد، “إذ أعادت إنتاج المشهد القديم بثوب جديد، فغابت الكفاءات وهيمنت الولاءات العشائرية التي رسخها النظام السابق عقوداً طويلة، لتصبح العشيرة هي الحاضنة السياسية والاجتماعية التي تحدد خيارات الناخبين، في غياب واضح للرؤى والبرامج الانتخابية”.
ويضيف صقر: “ما جرى في دير الزور يسلّط الضوء على خلل جوهري في آلية التمثيل من خلال الهيئات الناخبة، حيث تحوّلت العملية إلى منافسة بين ولاءات عشائرية ومناطقية أكثر من كونها استحقاقاً ديموقراطياً”، منتقداً نظام القوائم المغلقة الذي فُرض في بعض الدوائر، “لأنه يقوض مبدأ المشاركة العادلة ويُقصي شرائح اجتماعية واسعة، وضعف الإقبال الشعبي وابتعاد الكفاءات الحقيقية يعكسان أزمة ثقة عميقة بالعملية الانتخابية”.
ويختم صقر بالقول إن انتخابات دير الزور عكست بوضوح استمرارية نفوذ فلول النظام السابق بوجوه جديدة، مستفيدين من الإرث العشائري الذي أعاد تدوير البنى التقليدية في قوالب سياسية جديدة، “فما حدث ليس سوى امتداد لاحتكار السلطة بأساليب مختلفة، وعلى أبناء المحافظة وسوريا عموماً تجاوز العصبيات والانقسامات والعمل تحت مبدأ وطني جامع يُعيد للانتخابات معناها الحقيقي، أي وسيلة للتغيير لا لإعادة إنتاج الواقع القديم”.
تجربة تحتاج تقييماً!
يقول الصحفي محمد رياض إن الانتخابات التشريعية في سوريا هي الأولى من نوعها بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، وتأتى ترجمةً لما نص عليه الدستور المؤقت (مارس 2025).
ونص الدستور على إنشاء مجلس شعب مؤقت، وانعكاساً كذلك للمرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في (13 يونيو 2025)، الخاص بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات التشريعية وتتكون من (11) عضواً وتتولى مهمة تشكيل اللجان الانتخابية الفرعية (عضوية 3 أفراد على الأقل وفقاً لشروط محددة)، وتشكيل هيئات ناخبة في مناطق تلك اللجان داخل كل محافظة، تضم كل هيئة حوالى (30 – 50) عضواً لكل مقعد، وتخصص نسبة 20% من أعضاء الهيئات الناخبة للنساء، وقد ضمت تركيبة اللجان الناخبة مستويين، الفئة الأولى هي الأعيان، وهم وجهاء المجتمع المحلي في المدن والقرى، ممن يتمتعون بشرعية اجتماعية واسعة، ويُشترط أن يكونوا من حملة الشهادة الثانوية على الأقل، وشكلت نسبتهم 30 في المائة من أعضاء اللجان، أما الفئة الثانية فهي الكفاءات، التي تضم الأكاديميين والخبراء وممثلي النقابات المهنية، وشكلت 70 في المائة، على أن يكونوا من حملة الشهادات الجامعية أو ما يعادلها، وقد تم تغيير بعض أعضاء هذه اللجان بناءً على طعون تقدم بها مواطنون.
ويضيف رياض لـ”963+”، بين من يراها تجديداً مؤسساتياً، ومن يصفها بأنها تراجع ديموقراطي، تبقى انتخابات مجلس الشعب عبر الهيئات الناخبة تجربة فريدة في السياق السوري، تحتاج إلى تقييم موضوعي شفاف يوازن بين التمثيل المتخصص وحق المواطن في المشاركة المباشرة في صناعة القرار الوطني.










