تدخل قضية اللاجئين السوريين مرحلة جديدة تتسم بتناقضات واضحة بين مؤشرات الانفتاح السياسي والاقتصادي على دمشق من جهة، واستمرار التحديات الأمنية والإنسانية داخل البلاد من جهة أخرى.
ففي حين شهدت الأشهر الأخيرة خطوات دولية داعمة لإعادة دمج سوريا في محيطها الاقتصادي، من بينها استعادة الاتحاد الأوروبي علاقاته التجارية بصورة أوسع مع دمشق، ومشاركة سوريا في محادثات اقتصادية دولية رفيعة المستوى، فإن الأمم المتحدة ما زالت تحذر من هشاشة عملية التعافي وإعادة الإعمار.
ووفق أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد أكثر من 1.6 مليون سوري إلى البلاد منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، إلا أن ملايين السوريين ما زالوا يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة في ظل استمرار الحاجة إلى المساعدات الإنسانية، وتراجع برامج الدعم الإغاثي بسبب نقص التمويل.
وبين دعوات بعض الدول الأوروبية إلى تعزيز العودة الطوعية للاجئين، وتحفظ المؤسسات الدولية على أي عودة واسعة وسريعة قد تهدد الاستقرار الهش، يظل سؤال العودة وإمكانات مساهمة السوريين في الشتات في إعادة بناء بلدهم أحد أكثر الملفات إلحاحاً وتعقيداً في المرحلة السورية الراهنة.
هواجس العودة وإمكانات إعادة البناء
يقول درويش خليفة، الكاتب والسياسي، في حديثه لـ”963+”، إن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين رأت، في تحديثها الأخير بشأن سوريا الصادر في أيار/مايو 2026، أن أوضاع حقوق الإنسان والأمن في البلاد لم تشهد تغيراً دائماً وجوهرياً يبرر تفعيل “بنود التوقف العام” المنصوص عليها في المادتين (5)1C و(6)1C من اتفاقية اللاجئين، وهي البنود التي تتيح إنهاء صفة اللجوء بالنسبة إلى السوريين الذين مُنحوا هذه الصفة استناداً إلى الأحداث التي سبقت كانون الأول/ديسمبر 2024.
ويشير خليفة إلى أن المفوضية أكدت كذلك أن هشاشة عملية إعادة الإعمار والتعافي في سوريا تنطوي على خطر حقيقي يتمثل في أن تؤدي عودة أعداد كبيرة من اللاجئين بصورة سريعة إلى زعزعة الاستقرار في البلاد.
وانطلاقاً من ذلك، يرى خليفة أن المؤشرات والتقارير الصادرة بشأن الواقع السوري لا تبعث على الاطمئنان في ما يتعلق بعودة اللاجئين، ولا سيما في ظل استمرار الهشاشة الأمنية والاقتصادية، وهي عوامل لا تشجع على العودة المستدامة. ويضيف أن هذا الواقع قد يستمر حتى نهاية المرحلة الانتقالية، حيث ستتضح آنذاك ملامح المرحلة اللاحقة واتجاهات الاستقرار السياسي والمؤسسي.
ويلفت خليفة إلى أن العودة، في ضوء هذه المعطيات، تصبح قراراً مشروطاً يرتبط بدرجة تحقق الاستقرار، ولو بصورة نسبية. ومن خلال متابعته لهذا الملف، يقول إن كثيراً من اللاجئين السوريين في أوروبا يتجهون إلى شراء عقارات في المدن الكبرى، مثل دمشق وحلب، ليس فقط بوصفها استثماراً يوفر دخلاً ثابتاً من الإيجارات، وإنما أيضاً لأنها تمثل وسيلة لضخ العملات الأجنبية في الاقتصاد السوري، فضلاً عن أن عائداتها تساعدهم على دعم أسرهم وأقاربهم في الداخل.
ويعتبر خليفة أن هذه السلوكيات تعكس استمرار ارتباط السوريين في الشتات بوطنهم، وسعيهم، وفق إمكاناتهم، إلى مساندة ذويهم الذين ما زالوا يواجهون ظروفاً معيشية صعبة. كما يعزو قوة هذه الرابطة العاطفية والنفسية مع سوريا إلى ما تعرض له المجتمع السوري من انتهاكات خلال سنوات حكم النظام السابق، إضافة إلى ممارسات القوى الراديكالية التي تعاقبت على السيطرة على مناطق مختلفة من البلاد خلال العقد ونصف العقد الماضيين.
وفي المقابل، ينوه خليفة إلى أن ذلك لا ينفي احتمال وجود فجوة متزايدة بين الأجيال الجديدة التي نشأت في أوروبا وبين الواقع القائم في سوريا. ويوضح أن هذه الأجيال تربت في بيئات تقوم على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية، الأمر الذي قد يجعلها تصطدم بهشاشة هذه الحقوق أو غيابها في بلدها الأصلي، سواء بسبب البنية الاجتماعية أو نتيجة غياب تشريعات فاعلة تجرّم الطائفية والانتهاكات الحقوقية بصورة واضحة.
ويتابع بالقول إن ما شهدته دول أوروبية عدة من محاكمات وإدانات بحق متهمين بارتكاب جرائم في سوريا لم يجد حتى الآن نظيراً له داخل البلاد، وهو ما يعزز اهتمام السوريين في الشتات بالقضايا الحقوقية والسياسية، باعتبارها ضمانة لمنع عودة الاستبداد، والحفاظ على الذاكرة الوطنية والحقوقية، ولا سيما في ما يتعلق بالمفقودين والضحايا.
وفي ختام حديثه، يرى خليفة أن الحاجة تبدو ملحة لوضع آليات مؤسسية تعزز ارتباط السوريين في بلدان اللجوء بوطنهم. ويشير إلى أن وجودهم خارج الحدود أتاح لكثير منهم قدراً من الاستقرار النفسي، وأسهم في تطوير قدراتهم العلمية والفكرية والمهنية، كما مكّنهم من بناء شبكات من العلاقات والخبرات يمكن أن تشكل رافعة مهمة لعملية إعادة بناء سوريا في المستقبل، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية شاملة.
الشتات السوري شريك محتمل في التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار
من جانبه، يقول الدكتور أحمد هارون، مدير مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية لـ”963+”، إن عودة اللاجئين أو استقرارهم في الخارج يتوقف على مجموعة من العوامل، يأتي في مقدمتها موقف الدول المضيفة وقوانينها، ثم الوضع القانوني للاجئ، وما إذا كان يتمتع بصفة قانونية رسمية أم لا، فضلاً عن مستواه التعليمي والوظيفي.
ويضيف هارون أنه إذا كان عدد اللاجئين، بحسب الإحصائيات المتداولة، في حدود ستة ملايين شخص، فإن التوقعات تشير إلى عودة ما لا يقل عن خمسين في المئة من هذا العدد إلى الوطن.
ويشير إلى أن عدد اللاجئين أو العاملين السوريين الذين سيستمرون في الخارج سيكون في حدود ثلاثة ملايين شخص فقط، معتبراً أن هؤلاء يمكن أن يكونوا شركاء فعليين في عملية إعادة البناء من خلال التحويلات المالية وتدفق العملة الصعبة من الخارج إلى الداخل، وهو ما يشكل مورداً مهماً لموازنة الدولة.
وفي ما يتعلق بالاستثمار، يرى هارون أن الأمر يتوقف على مجموعة من الإجراءات التي ينبغي أن تقوم بها الحكومة أو الدولة، وفي مقدمتها تقديم تشريعات ضامنة ومحفزة للاستثمار، إلى جانب توفير تسهيلات مثل الإعفاءات الضريبية والقروض الميسرة وغيرها من التسهيلات المرتبطة بالاستثمار في قطاعات محددة. ويعتقد أن تقديم مثل هذه التشريعات والحوافز سيشجع المستثمرين، سواء كانوا سوريين أو خليجيين أو من جنسيات أخرى.
وعن كيفية تأثير السوريين في الخارج سياسياً في مستقبل سوريا دون الانفصال عن واقع الداخل، يلفت هارون إلى أن تجارب كثير من الجاليات في الخارج تُظهر ميلها إلى تشكيل جمعيات وهيئات ومنتديات مختلفة تتشارك في الحوار والنقاش. ويضيف أن هذه الأطر قد تؤدي أدواراً اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، وغالباً ما يكون هدفها بناء الوطن ودعمه ومساندة الأقارب والأصدقاء في الداخل، ولذلك يمكن أن تضطلع بدور إيجابي من خلال هذه الآليات.
وفي ما يخص تأثير اللجوء في مفهوم الوطن، يشير هارون إلى أن سنوات اللجوء، مهما طالت، لا يمكن أن تؤثر في حنين الأجيال الأكبر سناً إلى وطنها، لأن المشاعر والانتماء ينتقلان من الآباء إلى الأبناء. لكنه يستدرك بالقول إن التحدي قد يبرز لدى الأطفال الذين غادروا بلادهم في سن مبكرة، بين سنة وخمس سنوات، وقضوا اليوم نحو ثلاثة عشر عاماً خارج سوريا، بحيث تبدو ذكرياتهم عن الوطن محدودة نسبياً.
ومع ذلك، يعتقد هارون أن الآباء والأمهات يؤدون دوراً مهماً في الحفاظ على العادات والتقاليد واللغة والدين، وبالتالي فإن تأثير اللجوء في مفهوم الوطن أو الإحساس بالانتماء إليه لن يكون سلبياً بصورة كبيرة.
وفي سياق آخر، يؤكد هارون أن دور الشتات السوري مهم جداً في الحفاظ على الهوية والتفاعل الإيجابي مع الوطن، والتمسك بالحق في إبداء الرأي السياسي، فضلاً عن الرغبة في تقديم الدعم في المسارين الاقتصادي والسياسي من خلال عدد من الآليات.
كما يرى أن وزارة الخارجية والسفارات السورية في الخارج قادرة على الاضطلاع بدور كبير في تعزيز التفاعل بين المنظومة السياسية والمنظومة الاجتماعية وبين السوريين العاملين في الخارج، وأن تقف إلى جانبهم وتكون سنداً لهم، في الوقت الذي يواصل فيه اللاجئون اتخاذ مواقف إيجابية تجاه وطنهم.
وفي ختام حديثه، يدعو هارون إلى التعامل بواقعية مع ملف اللجوء والهجرة، وإخضاعه لدراسة تحليلية دقيقة. ويشير إلى أن الدراسات تفيد بأنه من أصل نحو ستة ملايين مهاجر سوري، هناك ثلاثون في المئة منهم تعليمهم دون المرحلة الإعدادية، وأربعون في المئة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وثلاثون في المئة من ذوي التعليم العالي.
ويضيف أن فرص إيجاد وظائف مناسبة في الخارج تعتمد أساساً على الكفاءة والعلم والخبرة، ولذلك فإن التوقعات تشير إلى عودة نحو خمسين في المئة منهم إلى الوطن. كما يلفت إلى أن الدول المضيفة، مثل تركيا ولبنان والأردن ومصر وألمانيا وغيرها، لا تتبنى تشريعات متشابهة، وقد تُلزم بعض قوانينها المهاجرين بالعودة إلى بلدانهم.
ويخلص هارون إلى أن نحو ثلاثة ملايين شخص سيستمرون في الخارج، وسيكون دورهم من خلال مسارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في كونهم مصدراً مهماً للعملة الصعبة عبر تحويلاتهم المالية إلى الداخل، والثاني من خلال مساهمتهم في الاستثمار داخل الوطن، أو عبر تفعيل حركة الاستيراد والتصدير بين سوريا والبلدان الأخرى.










