في أجواء مليئة بالترقب والاختبار، فتحت المراكز الانتخابية في معظم المحافظات السورية صباح اليوم الأحد أبوابها أمام أعضاء الهيئات الناخبة، إيذاناً بانطلاق أول انتخابات برلمانية منذ سقوط نظام بشار الأسد. الحدث الذي وصفته السلطة الانتقالية بأنه “يوم تأسيسي لسوريا الجديدة”، يجري في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة، ووسط جدل واسع حول شرعيته وتمثيله الشعبي.
انطلاقة الحدث الانتخابي
منذ ساعات الصباح الأولى، توافد أعضاء الهيئات الناخبة إلى مراكز الاقتراع المنتشرة في أغلب المحافظات، حاملين وثائقهم الثبوتية لتسلّم أوراق الاقتراع الرسمية والدخول إلى غرف التصويت السرّي، قبل إيداع أصواتهم في صناديق الاقتراع بشكل علني.
وفي العاصمة دمشق، استقبل مركز المكتبة الوطنية وفوداً ديبلوماسية وسفراء دول معتمدين في سوريا لمتابعة سير العملية الانتخابية عن قرب، في إشارة رمزية إلى الانفتاح الخارجي الذي تحاول الحكومة الانتقالية ترسيخه.
أول برلمان بعد حقبة الأسد
تُعتبر هذه الانتخابات الأولى من نوعها بعد انهيار النظام السابق وتولي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية.
ويُنتظر أن تسفر عن تشكيل برلمان مؤقت من 210 أعضاء، يتم اختيار ثلثيهم (140 نائباً) عبر انتخابات غير مباشرة من خلال “الهيئات الناخبة”، في حين يُعيَّن الثلث الباقي (70 نائباً) بمرسوم رئاسي.
وبحسب المرسوم الرئاسي رقم 66 لعام 2025، فإن هذا النظام الانتخابي المؤقت جاء نتيجة غياب البنية التحتية المدنية اللازمة للانتخابات المباشرة، مثل السجل الانتخابي وقواعد البيانات الوطنية، إضافة إلى استمرار الاضطرابات الأمنية في بعض المناطق.
قانون جديد وهيئات ناخبة محلية
أُنشئت لجنة عليا للإشراف على انتخابات مجلس الشعب برئاسة القاضي محمد طه الأحمد وعضوية عشرة أشخاص، لتشرف على كل تفاصيل العملية من إعداد القوائم إلى فرز الأصوات والنظر في الطعون.
وتم تشكيل الهيئات الناخبة محلياً في كل محافظة، بالتشاور مع الفعاليات المجتمعية والرسمية، بحيث تضم ممثلين عن الأعيان، المثقفين، والنقابات. يبلغ عدد أعضاء هذه الهيئات نحو 14 ألف ناخب، لهم وحدهم حق التصويت والترشح.
ويعتمد توزيعهم على قاعدة حسابية محددة، إذ يُضرب عدد مقاعد كل دائرة انتخابية في 50 لتحديد عدد أعضاء هيئتها الناخبة. وقد تم تحديد شروط دقيقة لاختيارهم، تشمل الأهلية القانونية، السمعة الحسنة، الإقامة قبل عام 2011، والحياد السياسي، إضافة إلى استبعاد من شغلوا مناصب في عهد النظام السابق أو دعموا أعمالاً انفصالية.
محافظات غائبة ومقاعد مجمّدة
رغم انطلاق العملية في معظم المحافظات، غابت عنها السويداء، الحسكة، والرقة.
ففي السويداء، أدت التوترات الأمنية إلى تأجيل الانتخابات “حتى استقرار الوضع الأمني”، وفق بيان اللجنة العليا.
أما في الحسكة والرقة، اللتين تقعان تحت سيطرة الإدارة الذاتية، فقد تم تعليق العملية الانتخابية بعد رفض الأخيرة المشاركة واعتبارها الانتخابات “غير شرعية”.
ونتيجة لذلك، تُرك نحو 19 مقعداً شاغراً، ما دفع الرئاسة إلى استخدام صلاحياتها في التعيين لتعويض النقص وضمان التوازن الجغرافي والطائفي في المجلس.
المرشحون والتنافس المحدود
أُغلق باب الترشح في 28 أيلول / سبتمبر الماضي، بعد أن بلغ عدد المرشحين 1578 شخصاً، بينهم 14٪ نساء.
وعلى الرغم من هذا التنوع النسبي، رُصد غياب شبه كامل للحملات الانتخابية والإعلانات العامة، إذ اكتفت بعض المراكز المحلية بملصقات محدودة وإعلانات رسمية باهتة. ووفق تقارير دولية، بدت العملية “منضبطة أكثر مما هي تنافسية”.
التصويت والإجراءات التنظيمية
بدأ التصويت في التاسعة صباحاً ويستمر حتى الخامسة مساءً، مع إمكانية التمديد في بعض المحافظات. يتم التحقق من هوية كل ناخب قبل دخوله المركز، ثم يُمنح ورقة انتخابية مختومة يتوجه بها إلى غرفة الاقتراع السري، ليضع بعدها الورقة في الصندوق بشكل علني أمام لجنة المراقبة.
صلاحيات الرئيس ودوره المركزي
يمنح الإعلان الدستوري المؤقت الرئيس الانتقالي صلاحيات واسعة في هذه المرحلة، تشمل تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وتعيين ثلث أعضاء البرلمان، إضافة إلى إصدار المراسيم والقوانين. كما حددت القوانين ضوابط لتعيين النواب، منها عدم اختيار خاسرين في الانتخابات أو أعضاء من الحزب الذي كان ينتمي إليه الرئيس سابقاً، مع تخصيص 10% من المقاعد المعينة للنساء.
ويُفترض أن يهدف هذا التعيين إلى تحقيق التوازن الطائفي والإقليمي، لكن منتقدين يرون أنه يعزز السيطرة التنفيذية على المؤسسة التشريعية.
غياب التصويت الشعبي ومأزق الشرعية
اللافت أن المواطنين السوريين لم يشاركوا بشكل مباشر في هذه الانتخابات، إذ اقتصر الاقتراع على الهيئات المنتخبة محلياً. هذا الغياب الشعبي أثار تساؤلات حول شرعية البرلمان الانتقالي وقدرته على تمثيل الإرادة العامة.
ويرى مراقبون أن هذا النظام الانتخابي غير المباشر قد يكون ضرورياً مؤقتاً في ظل ضعف البنى الإدارية والأمنية، لكنه يضعف الإحساس بالتمثيل الشعبي ويجعل البرلمان أقرب إلى “هيئة استشارية” تخضع لتوازنات السلطة الانتقالية أكثر من كونها مؤسسة رقابية مستقلة.
مقارنة بين الأمس واليوم
تختلف انتخابات 2025 جذرياً عن تلك التي كانت تجري في عهد بشار الأسد، حيث كان التصويت مباشراً ويشارك فيه المواطنون، رغم هيمنة الأجهزة الأمنية آنذاك. أما اليوم، فالنظام غير مباشر ويقوم على اختيار محدود من النخب، مع صلاحيات واسعة للرئيس في التعيين. كما غابت الأحزاب السياسية تماماً بعد حلّ الأحزاب المرتبطة بالنظام السابق، ليخوض المرشحون السباق بصفاتهم الفردية فقط.
خطوة انتقالية أم مسرحية سياسية؟
بالنسبة لأنصار الحكومة الانتقالية، تمثل هذه الانتخابات خطوة ضرورية لبناء مؤسسات تشريعية جديدة، في طريق طويل نحو دستور دائم وانتخابات عامة خلال ثلاثين شهراً.
أما المنتقدون، فيعتبرونها عملية شكلية تهدف إلى إضفاء طابع مؤسساتي على مرحلة انتقالية ما زالت تمركز السلطة فيها بيد الرئيس.
بين الشك والأمل
وبحسب مراقبين، “لا يعلّق السوريون آمالاً كبيرة على نتائج هذه الانتخابات بقدر ما ينتظرون ما يليها: هل ستفتح الطريق أمام إصلاح سياسي حقيقي ودستور دائم؟ أم ستكون بداية دورة جديدة من السلطة المركّزة بواجهة ديموقراطية؟”
وفي كل الأحوال، تبقى انتخابات 2025 لحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث — لحظة انتقال من نظامٍ شموليٍ سقط بالقوة، إلى تجربةٍ برلمانيةٍ ناشئة تحاول أن تتنفس في بيئة مليئة بالشكوك، على أمل أن تتبلور مع الوقت إلى عقد سياسي جديد يعبّر فعلاً عن السوريين جميعاً.










