منذ أكثر من عقد، وجدت آلاف النساء السوريات أنفسهن أمام رحلة قسرية نحو المجهول، بعد أن أجبرتهن ظروف الحرب على مغادرة الوطن، وبين صعوبة الغربة وقسوة البداية، بدأت قصص جديدة تكتب لنساء حملن معهن الذاكرة السورية، لكنهن قررن أيضاً أن يصنعن واقعاً مختلفاً في مجتمعات الاستقبال.
اليوم، تتوزع السوريات في شتات واسع من الشرق إلى الغرب، وتتنوع مساراتهن بين التعليم والعمل والإبداع، ورغم الفجوة الثقافية واللغوية، استطعن تحويل اللجوء إلى فرصة لإثبات الذات، ليقدمن نماذج ملهمة في الجامعات والمختبرات، في الأسواق والشركات، وفي فضاءات الفن والثقافة.
لم تقتصر مساهمات السوريات على النجاحات الفردية فحسب، بل تجاوزتها إلى بناء صورة جماعية تعكس إرادة التغيير والإصرار على الاستمرارية، فقد أسسن مبادرات اجتماعية وإنسانية، وشاركن في الحوارات العامة، ونجحن في نقل صورة أكثر حيوية عن المرأة السورية.
وبينما تتعدد قصص النجاح من بلد إلى آخر، يبقى القاسم المشترك هو حضور المرأة السورية كعنصر فاعل في صناعة مستقبلها ومستقبل عائلتها، قصص لا تنفصل عن الهموم الكبرى للمجتمع السوري، لكنها في الوقت نفسه تعكس قدرة فردية وجماعية على التكيف، والإبداع، والمساهمة في إعادة تعريف دور المرأة السورية على الساحة الدولية.
اقرأ أيضاً: الأمية في زمن النزاعات: عبءٌ مضاعف على المرأة وحقوقها – 963+
السوريات في المهجر.. قوة ناعمة تعكس صورة جديدة عن سوريا
تقول الصحفية السورية المقيمة في روسيا مرام حمصي في حديثها لـ”963+” إن النساء السوريات في المهجر لعبن خلال السنوات الماضية دوراً محورياً، بعدما اضطرت أعداد كبيرة منهن إلى اللجوء لدول مختلفة ومواجهة صعوبات كبيرة لبناء حياة جديدة.
وتؤكد أن كثيرات نجحن في تكوين صورة إيجابية عن المرأة السورية، وأصبحن مثالاً للصمود والتحدي من خلال حضورهن في ميادين التعليم، والأعمال، والأنشطة الاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية، مقدمات نموذجاً يُحتذى به في الالتزام والإبداع.
وتضيف حمصي أن السوريات أسهمن بفاعلية في ميادين العلم والبحث الأكاديمي، وحققن إنجازات فردية بارزة، غير أن تحويل هذه النجاحات إلى مكاسب جماعية يتطلب مزيداً من التنسيق عبر إنشاء شبكات دعم بين الباحثات وتعزيز فرص التعاون الأكاديمي.
كما تشير إلى أن مشاريع السيدات السوريات في دول اللجوء أسهمت في تعزيز صورة المرأة السورية كمؤثرة ومنتجة، لافتةً إلى نجاحات في مجالات الحرف اليدوية، المطبخ السوري والتعليم، وصولاً إلى فتح معاهد لتعليم اللغة العربية في روسيا، وهو ما اعتبرته دليلاً على قدرة السوريات على تجاوز الصور النمطية السلبية.
وتتابع أن الإنتاج الثقافي والفني للسوريات في المهجر ساعد في إيصال صوتهن للعالم، من خلال أعمال تناولت قضايا الهوية والمنفى، وذكرت الكاتبة ريم حنا التي استطاعت رغم سنوات اغترابها في روسيا أن تحافظ على هويتها السورية وتعكسها في أعمالها الدرامية، كما أشارت إلى أن وجود سوريات فاعلات في منظمات دولية وجمعيات حقوقية يمكن أن يمهد لدور سياسي أوسع للمرأة السورية في المستقبل، خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تشهدها البلاد.
وتختم الصحفية السورية بالتأكيد على أن هذه النجاحات تمثل شكلاً من أشكال “القوة الناعمة” التي تعكس صورة إيجابية عن سوريا في المحافل الدولية، وتعيد صياغة الرواية عن المجتمع السوري بعيداً عن القوالب النمطية السائدة، معتبرة أن توازن المرأة السورية بين الاندماج والحفاظ على الهوية هو مفتاح استمرارية هذا الدور المؤثر في الخارج.
اقرأ أيضاً: المرأة السورية في المرحلة الانتقالية.. حضور رمزي أم مشاركة فعلية؟ – 963+
حضور السوريات في الخارج يعيد تشكيل النظرة إليهن
وترى الناشطة في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، شيماء عقيل هلال من إدلب، أن النساء السوريات في المهجر استطعن أن يحققن حضوراً لافتاً ويثبتن أنفسهن في ميادين متعددة، مقدمات نموذجاً للمرأة المثقفة والواعية والمناضلة.
وتقول هلال في حديثها لـ”963+” إن هذه التجربة تعكس صورة المرأة السورية الطموحة القادرة على خوض مختلف مجالات الحياة، معتبرة أن حضورهن في المجتمعات الخارجية ساهم في تغيير النظرة السائدة ومنح صورة إيجابية وجميلة عن النساء السوريات، وأضافت أن طبيعة المجتمع السوري الاجتماعية ساعدت في سرعة الاندماج والتعرف على ثقافات جديدة.
وتؤكد أن المهجر أتاح فرصاً نوعية للنساء السوريات في ميادين السياسة والاقتصاد والتعليم، مشددة على أهمية استثمار هذه الفرص بشكل جيد، مع ضرورة أن تكون المرأة السورية حاضرة في مواقع صنع القرار بما يضمن الحفاظ على هذه الصورة الإيجابية ونقلها إلى الخارج.










