مرت الدراما السورية، شأنها شأن الفنون الأخرى، بتحولات عميقة خلال العقود الماضية. فقد شهدت النصوص الدرامية تغيرات جذرية بين الماضي والحاضر، عكست بوضوح التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها البلاد، إلى جانب المتغيرات التي طالت المجتمعات العربية عامة.
وفي لقاء حصري أجراه “963+” مع الناقد الفني السوري عامر فؤاد عامر، جرى التطرق إلى أبرز التغييرات التي عرفتها الدراما السورية عبر السنوات، سواء على مستوى الحبكة والشخصيات أو القضايا المطروحة واللغة السردية. ويوضح عامر أن هذه التحولات لم تكن مجرد تطور فني، بل مثّلت انعكاسًا مباشرًا للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع السوري.
اقرأ أيضاً: دراما ومسلسلات.. التجديد الفني لا يلغي المسؤولية الاجتماعية – 963+
الحبكة: من التماسك إلى التعقيد
يقول عامر في بداية حديثه: “في الماضي، تميزت الحبكة الدرامية في المسلسلات السورية بالوضوح والاتساق، حيث كانت تتبع تسلسلاً منطقياً واضح البداية والوسط والنهاية، من دون ترك مجال كبير للتعقيد. كما كانت الشخصيات تسير وفق الحدث، وكان البطل غالباً متصفاً بالكمال، بينما يتجسد الشر في شخصيات محددة. ويُعد مسلسل (أخوة التراب) مثالًا جيدًا على الحبكة المتماسكة التي ركزت على السرد التاريخي”.
ويضيف: “أما اليوم، فقد باتت الحبكات أكثر تعقيداً، حيث تتجه المسلسلات إلى النهايات المفتوحة والحبكات غير التقليدية، كما في (على قيد الحب) و(البطل)، حيث تبقى الأحداث مرتبطة بالواقع وتُترك الأسئلة بلا إجابات واضحة”.
من البطل الأسطوري إلى الشخصية المركبة
يوضح عامر أن تحول الشخصيات في الدراما السورية كان لافتاً. ففي الماضي، اتسمت الشخصيات بالثبات والوضوح؛ البطل الذي يمثل الخير في مقابل الشرير الذي يجسد الشر المطلق. كما ركزت الدراما حينها على قيم الشرف والتضامن العائلي، كما في مسلسلات مثل (الزير سالم) و(نهاية رجل شجاع).
أما اليوم، فأصبحت الشخصيات أكثر تعقيداً وواقعية، بحيث يصعب تصنيفها بين الخير والشر. ويقول: “في أعمال معاصرة مثل (قيد مجهول)، لم يعد البطل مثالياً كما في السابق، بل بات يعاني من اضطرابات نفسية نتيجة الحروب والنزوح”.
من الاستعمار إلى هموم العصر
يبيّن عامر أن القضايا التي تناولتها الدراما السورية شهدت بدورها تحولاً كبيراً. ففي الماضي، تصدّرت القضايا الوطنية المشهد، مثل مقاومة الاستعمار والصراع الطبقي، كما في مسلسلي (حمام القيشاني) و(الجوارح) اللذين ركزا على مقاومة الاحتلال وإبراز الهوية الوطنية.
بينما تتناول الدراما اليوم قضايا أكثر تعقيدًا ومعاصرة، مثل الفساد الداخلي والعنف الأسري والمشاكل النفسية. ويقول: “مسلسل (كسر عضم) سلط الضوء على فساد السلطة والضغوط الاجتماعية، فيما أخذت القضايا النفسية والإدمان حيّزًا أكبر في النصوص الحديثة”.
اقرأ أيضاً: كيف سيكون موسم دراما 2026؟ – 963+
من الحنين إلى المواجهة
يلفت عامر إلى أن الفرق بين الماضي والحاضر يظهر بوضوح في طريقة تناول الزمن والواقع. ويقول: “في الماضي، اتسمت الدراما بالحنين إلى الماضي البسيط والريف السوري، كما في (أيام شامية) الذي ركز على العلاقات الاجتماعية في الحارات القديمة. أما اليوم، فهي تعكس الواقع القاسي الذي تعيشه البلاد بواقعية وشفافية، كما في مسلسل (فوضى) الذي جسّد آثار الحرب والدمار على المجتمع السوري”.
من الفصاحة إلى الواقعية
يشير عامر إلى أن اللغة السردية في الدراما السورية خضعت أيضاً لتحولات واضحة. ففي الماضي، اتسمت الحوارات بالفصاحة والبلاغة، كما في (ربيع قرطبة)، حيث اتسمت اللغة بالدرامية المشحونة والكلمات المنمقة.
أما اليوم، فباتت الحوارات أكثر واقعية ومجزأة، كما في مسلسل (مع وقف التنفيذ)، حيث يُعتمد أحيانًا على الصمت أو النظرات لنقل المشاعر والأفكار، في انعكاس للتحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الناس اليوم.
من الوعظ إلى الأسئلة الوجودية
وفيما يخص الرسائل التي تحملها الدراما السورية، يقول عامر: “في الماضي، كانت الأعمال تقدم رسائل تربوية واضحة، هدفها ترسيخ القيم الأخلاقية والاجتماعية، كما في (عائلتي وأنا) الذي ركز على تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية”.
ويضيف: “أما اليوم، فقد باتت الأعمال تطرح أسئلة مفتوحة تترك المشاهد في حيرة، من دون تقديم إجابات مباشرة. على سبيل المثال، مسلسل (ابتسم أيها الجنرال) طرح أسئلة وجودية وأخلاقية عميقة تتعلق بالواقع المعاش، ودفع المشاهد للتفكير والتأمل”.
انعكاس طبيعي لتحولات المجتمع
يختتم الناقد حديثه بالتأكيد على أن تحولات الدراما السورية تمثل انعكاساً طبيعياً للتغيرات التي طرأت على المجتمع السوري. ويقول: “التغيير في الدراما أمر ضروري، وهو يعكس التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع السوري، من السياسة إلى الأزمات الاجتماعية والنفسية. قد يرى البعض أن الدراما تخلت عن بعض القيم التقليدية لصالح الإثارة والواقعية، لكن في النهاية، تبقى الدراما مرآة لمجتمعها، وما نراه اليوم هو نتيجة حتمية لتطور المجتمع السوري وتغير ظروفه”.










