تُعَدّ الدراما التلفزيونية والمسرحيات جزءاً أساسياً من حياة الجمهور في الوطن العربي، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أداة ذات تأثير واضح على سلوك الأطفال والمراهقين، أحياناً بطريقة خطيرة وغير متوقعة. فبين الترفيه والتعليم والوعي، تظهر آثار سلبية تتجاوز حدود الشاشة لتنعكس على الحياة اليومية.
الدراما بين التأثير الفني والدور التربوي
وفي لقاء أجراه “963+” مع الناقد الفني عامر فؤاد عامر، يقول إن الدراما تعد أداة تأثير قوية في ظل التطورات المتسارعة في العالم العربي، وخاصة في السياقات الاجتماعية المتغيرة. وأشار إلى أن الدراما السورية تؤدي دوراً كبيراً في تشكيل السلوكيات والعقول، ولا ينبغي اختزالها في كونها مجرد وسيلة للترفيه، بل يجب أن تتحول إلى أداة تربوية مؤثرة إيجابياً في المجتمع.
ويضيف أن على المنتجين والمخرجين تحمّل مسؤولية تقديم محتوى يواكب الوعي الاجتماعي ويعزز القيم الإيجابية. ومن بين الطرق العملية للحد من التأثيرات السلبية على الأطفال، مع الحفاظ على الجودة الفنية، ضرورة مراعاة الفئة العمرية المستهدفة بدقة، وتجنب عرض مشاهد العنف أو السلوكيات غير المناسبة في الأعمال التي قد يشاهدها الصغار، إضافة إلى وضع إشعارات وتصنيفات عمرية واضحة قبل البث.
اقرأ أيضاً: ناصيف زيتون ودانييلا رحمة ينتظران مولودهما الأول – 963+
ويشدد عامر على أهمية تقديم سياق تربوي للأحداث، بحيث تُعرض المشاهد السلبية مثل العنف أو التنمر ضمن إطار يوضح عواقبها ويبرز أخطارها، مع تجنب تقديمها دون رسالة توعوية واضحة. كما دعا إلى التركيز على النماذج الإيجابية لشخصيات ملهمة تتغلب على الصعاب بطرق سلمية وأخلاقية، مع الحذر من تمجيد الشخصيات الإجرامية أو الظالمة حتى وإن كانت جزءاً من الحبكة.
ويشير إلى ضرورة إشراك خبراء نفسيين وتربويين في مراحل الكتابة والإخراج لضمان أن يكون المحتوى آمناً وملائماً للفئة المستهدفة، مؤكداً أن الطفل لا يفرّق بسهولة بين الخيال والواقع، ما يجعل الرسائل المقدَّمة في المسلسلات جزءاً من مخزونه السلوكي.
فرص مستقبلية للدراما السورية
يرى عامر أن أمام الدراما السورية فرصة كبيرة لإعادة بناء صورتها بشكل إيجابي من خلال خطة متوازنة تجمع بين التجديد الفني والمسؤولية الاجتماعية، مع التركيز على قضايا معاصرة مثل التنمر، البيئة، الهوية الرقمية، والمساواة بين الجنسين. وأكد أهمية تطوير أعمال موجهة للأطفال واليافعين بأسلوب بصري سريع الإيقاع ولغة قريبة من عالمهم، مع تضمين رسائل إيجابية مدروسة.
كما يدعو إلى الاستفادة من التقنيات الحديثة والمؤثرات البصرية، وإدماج القصص التفاعلية وربط الأعمال بالمنصات الرقمية، إضافة إلى عقد شراكات مع المدارس والمراكز الثقافية لتوظيف الدراما في التثقيف والترفيه في آن واحد.
ويختتم حديثه بالقول: “الدراما قد تكون مرآة للواقع أو بوصلة توجه المجتمع نحو المستقبل. ومع التزام صُنّاعها بمسؤولياتهم الاجتماعية، يمكن للدراما السورية أن تؤدي دوراً محورياً في بناء مجتمع أكثر وعياً وتماسكاً”.
في محافظة طرطوس، شهدت مغارة عين الدلبة قبل عامين مأساة حقيقية، حين فقد الشاب قيس الزرزور حياته بعد دخوله المغارة مع ثمانية من رفاقه بهدف الاستكشاف والتسلية، مستلهماً مغامرته من مشاهد مسلسل الزند الذي شارك فيه النجم السوري تيم حسن. ومع انتهاء عمليات البحث التي استمرت عدة أيام، لم يُعثر على أي أثر للشاب، ما أثار جدلاً واسعاً حول تقليد الشباب لأحداث المسلسلات دون وعي بالمخاطر الواقعية.
اقرأ أيضاً: إعلان رسمي عن لجان تحكيم برنامجي “The Voice” و”The Voice Kids” – 963+
ولم تقتصر الحوادث على المراهقين فحسب، بل امتدت إلى الأطفال في المدارس الابتدائية. ففي إحدى المدارس، حاولت تلميذتان سرقة أقراط ذهب من زميلتهما، وبعد التحقيق تبيّن أنهن كنّ يقلدن شخصيتي “وردة” و”شامية” من مسلسل تلفزيوني. هذا السلوك يعكس مدى تأثر الأطفال بالشخصيات المحببة أو المثيرة، ما يدفعهم أحياناً لتقليد أفعال مرفوضة اجتماعياً وقانونياً.
ومن بين الحوادث المؤلمة، وفاة الطفلة بتول فاضل (9 سنوات) بعد محاولتها تقليد مشهد انتحار شخصية “خاتون” في أحد المسلسلات. فقد ربطت حبلاً بالخزانة وقفزت، ولم تتمكن قدماها من لمس الأرض، ما أدى إلى وفاتها. وأكد ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي أن الطفلة لم تكن تدرك أن ما شاهدته على الشاشة كان تمثيلاً، الأمر الذي يسلط الضوء على خطورة المحتوى الدرامي غير الموجَّه للأطفال.
كما رُصد تأثير سلبي آخر على سلوك الطلاب في المراحل الابتدائية والثانوية، حيث يميل بعضهم إلى تقليد المشاهد الرومانسية أو تصرفات الشخصيات العدوانية. وأفاد معلمون بملاحظتهم لانتشار استخدام لغة غير لائقة وتصرفات عدوانية داخل الصفوف. أما في المرحلة الثانوية، فقد عبّر العديد من الأساتذة عن استيائهم من تراجع مستوى الاحترام تجاه المعلمين، خاصة بعد متابعة مسلسل أيام الدراسة الذي أثر على أجواء التفاعل داخل الفصول.
أما بالنسبة للمراهقين والشباب، فقد تحولت مسلسلات مثل الهيبة ووادي الذئاب إلى نماذج يُحتذى بها، حيث يتبنى بعض المراهقين تسريحات الشعر وحركات الشخصيات الرئيسية. وبعد عرض مسلسل الهيبة عام 2019، انتشرت بين الشباب تسريحات شعر شبيهة بتلك التي اعتمدها بطل العمل “جبل”، ما يعكس عمق التأثير الناتج عن تكرار مشاهدة هذه الأعمال. وفي مدينة عفرين بريف حلب، كادت مأساة جديدة أن تقع حين حاول الفتى مصطفى محمد (13 عاماً) شنق أخيه تقليداً لشخصية “مراد علمدار” في مسلسل وادي الذئاب، لولا تدخل والدته في الوقت المناسب.
ولم يقتصر تأثير الدراما على سوريا فقط، بل امتد إلى مصر أيضاً. فقد صرّح وزير التربية والتعليم المصري بأن مسرحية مدرسة المشاغبين التي عرضت في السبعينيات ساهمت في تراجع صورة المعلم داخل المدرسة، وأظهرت المدرس في صورة غير لائقة أمام الطلاب، مما أدى إلى كسر العلاقة التقليدية بين المعلم والطالب وتأثر الأجيال الصغيرة بالسلوكيات الساخرة، وهو ما انعكس سلباً على القيم التربوية والاجتماعية.
وتشير هذه الحالات إلى أن التأثيرات السلبية للدراما تتراوح بين مظاهر سطحية مؤقتة مثل تقليد الملابس والحركات، وأخرى أعمق تشمل العنف والتمرد وتقليد سلوكيات خطيرة قد تهدد الحياة. وقد أظهرت استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات تعليمية في سوريا أن أكثر من 60% من الطلاب يقلّدون المشاهد التي يفضلونها، سواء كانت رومانسية أو عنفاً أو تمرداً، ما يكشف عن الارتباط النفسي القوي بالدراما وتأثيرها على السلوك اليومي.










