لا زالت قوات الأمن السورية التي دخلت محافظة السويداء جنوبي سوريا باتفاق رعته أطراف دولية بعد توترات وتدخل خارجي إسرائيلي، تحيط وتتوزع بأطراف المحافظة. بينما تدخل قوافل المساعدات عبر الهلال الأحمر السوري لمساعدة الأهالي.
وشهدت محافظة السويداء توتراً متصاعداً نتيجة مواجهات بين مجموعات مسلّحة من الدروز وقوات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية. وأسهمت هذه التطورات في تدخل عسكري إسرائيلي، استهدف آليات ومواقع عسكرية، من بينها مبنى قيادة الأركان في العاصمة دمشق. وأدت الأحداث إلى احتكاكات ومواجهات انعكست على النسيج الاجتماعي السوري.
وأثار أسلوب تعامل الحكومة السورية مع الوضع في السويداء انتقادات واسعة في الأوساط السورية، خاصة في ظل الأخطاء المنسوبة إلى عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية. وطالب أبناء المحافظة، ذات الغالبية الدرزية، بإجراءات لتعزيز الثقة، غير أن السلطات لم تنفذ هذه المطالب أو لم تستجب لها بالشكل المطلوب. ويبقى السؤال المطروح: ما الخطوات التي يمكن للحكومة السورية اتخاذها بعد فشلها في إدارة ملف السويداء، وكيف يمكن توظيف هذه التجربة لمعالجة قضايا أوسع في الملف السوري؟
ويقول محمود الأفندي خبير في العلاقات الدولية والسياسة الروسية، يقيم في موسكو لـ”963+”، إن الدولة السورية الحديثة استلمها أحمد الشرع “بلا جدران”، بعد أن كان النظام السابق “قد سحق شكل الدولة في عهده، كما أن أتباع النظام السابق يحاولون أن يُظهروها في الوقت الحالة كدولة فاشلة غير قادرة على ضبط الأمن في مناطق سيطرتها”.
ويضيف أن الدرس المستفاد من تدخل السلطة السورية في محافظة السويداء، أن تتفاهم مع الدول الداعمة، فهناك إسرائيل تدعم مجموعات معينة من الدروز تصفهم دمشق بأنهم “خارجين عن القانون”. لذا “يجب على دمشق أن تتفاهم مع تل أبيب حتى تستطيع إدخال مؤسساتها إلى المحافظة الواقعة في جنوبي سوريا”.
اقرأ أيضاً: مأساة النزوح من السويداء: حصار معارك وأزمة إنسانية متفاقمة
ويرى أن “الشرع قد استفاد درساً آخر في ظل التجاوزات العسكرية التي حصلت في السويداء، وهو أن يبني جيش قاعدته مؤسساتية وليست فصائلية، وله تراتبية من حيث إصدار الأوامر وإطاعتها، وقد ظهرت الهمجية والتصرفات الفردية في أحداث السويداء”.
ويعتقد الأفندي أن “الشرع لا خيار لديه سوى اللجوء إلى روسيا الاتحادية التي تمتلك خبرة بتأسيس الجيوش لا تمتلكها الإدارة السورية أو حتى تركيا”.
ويشير إلى أن “الحكومة السورية تعرضت لصدمة كبيرة خلال أحداث السويداء، حيث تفاجأت بأنها لم تشكل جيشاً أو قوى أمن بعد، إذ لم تطع قيادات الفصائل أوامر قياديها”.
جرائم وسوء إدارة
تقول راقية الشاعر، مهندسة وناشطة سياسية تقيم في السويداء، لـ”963+” إن “الدولة السورية لو كانت تريد الاستفادة من درس السويداء لكانت استفادت من الدرس الذي تلقته عندما ارتكبت المجازر المروعة بحق المدنيين الأبرياء في الساحل السوري”.
وتضيف: “يبدو أن هذه السلطة تنتهج سياسة القمع والاستبداد لإخضاع الشعب السوري لإرادتها. درس السويداء هو صورة ثانية لمجازر الساحل، إلا أن الموضوع كان في السويداء، والدليل على ذلك الحصار الذي تفرضه سلطة الأمر الواقع على محافظة السويداء بينما تدعي كذباً أن السويداء غير محاصرة”.
وتتساءل؛ إذا كانت السويداء غير محاصرة، فلماذا فُتح ممر إنساني عن طريق بصرى الشام لإدخال الحد الأدنى من المساعدات؟ وتستدرك بالقول: “سردية الحكومة أو سلطة الأمر الواقع التي تقول إن من يحاصر السويداء هم جماعات خارجة عن القانون بحجة الحفاظ على تجارة المخدرات هي سردية كاذبة وبعيدة عن الحقيقة”.
اقرأ أيضاً: من يحكم السويداء؟.. صراع النفوذ الإقليمي في جنوبي سوريا
وترى الشاعر أن “هذه السلطة لا تنوي تغيير طريقة تعاملها أو تعاطيها مع القضية السورية أو مع الشعب السوري، ولا تفهم إلا لغة اللون الواحد والوجه الواحد والصوت الواحد. منذ توليها السلطة، عمدت إلى إقصاء وتهميش كل مكونات الشعب السوري التي لا تتوافق معها”.
وترى أن “هذه السلطة تعي جيداً ما تفعل، طبعاً ليس القرار من رأسها، فهناك دول فاعلة وموجهة لما تقوم به هذه السلطة، خاصة فيما يتعلق بالسويداء. المخطط والموجه كان الاستعمار التركي العثماني الذي يحاول إعادة أمجاد الدولة العثمانية والسيطرة على سوريا ومصادرة قرارها”.
اقرأ أيضاً: التصعيد العسكري في السويداء: جذور الأزمة وتداعياتها الإقليمية
حصار مطبق
في حين يقول يحيى العريضي، أكاديمي وسياسي سوري، لـ”963+”، إن أجهزة الدولة الأمنية تطبق حصاراً مشدداً على محافظة السويداء، حيث تشهد المحافظة نقصاً حاداً في المواد الأساسية مثل الطحين والمحروقات والأدوية. معتبراً أن “هذا الأسلوب يذكّر بسياسات النظام السابق في حصار المدن السورية التي ترفع صوتها المطالب بالحقوق، وفي النهاية يكون الجميع خاسراً في حال استمرار هذا النهج القمعي”.
ويضيف: “إذا استمرت سلطة دمشق في فرض حصارها على السويداء، وإذا واصلت وزارة الإعلام والأمن العام منع الصحافة المستقلة من دخول المحافظة، فلن تتمكن “حكومة دمشق” من إخفاء الحقيقة الأليمة المتمثلة في استشهاد أكثر من 1200 مدني من أبناء السويداء نتيجة الهجوم الذي شنّته وزارتا الدفاع والداخلية على المحافظة. هذه الأحداث ستكشف زيف الرواية الرسمية وتُظهر حجم المأساة الإنسانية”.
وحول ما إذا كانت الحكومة قد استفادت من درس السويداء في التعامل ومواجهة التحريض والتجييش، يشير العريضي إلى أن “هذا سؤال جوهري يجب أن تُجيب عليه السلطة بنفسها”.
ويستدرك بالقول: “جوهر التساؤل يكمن في ما إذا كانت “هيئة تحرير الشام” – التي تهيمن على جميع المناصب الأمنية والمؤسسات السيادية – قد تحولت بالفعل من منطق الجماعة المسلحة إلى منطق الدولة؟ أم أنها ما زالت تعمل بنفس العقلية الأمنية والعسكرة التي تتعامل مع السوريين كأرقام في معادلة مصالح خارجية؟ الإجابة على هذا السؤال ستكشف الكثير عن مستقبل التعامل مع القضية السورية”.










