تشهد محافظة السويداء جنوبي سوريا تصاعداً مقلقاً في أزمتها الإنسانية، نتيجة اشتباكات عنيفة مستمرة منذ أكثر من أسبوع، بين عشائر البدو في ريف السويداء من جهة، والمجلس العسكري في السويداء ومجموعات مسلحة محلية من جهة أخرى. حيث خلفت هذه المواجهات المسلحة آثاراً مدمرة على البنية الاجتماعية والإنسانية، وأجبرت آلاف العائلات على النزوح القسري باتجاه محافظة درعا المجاورة، ضمن اتفاق قضى بإخراج المدنيين ووصول المئات منهم إلى مراكز إيواء.
وأعلن محافظ درعا أنور الزعبي، الأربعاء الماضي عن ارتفاع عدد مراكز الإيواء من 13 إلى نحو 50 مركزًا خلال أيام قليلة. يهدف هذا التوسع إلى تأمين استقبال آلاف العائلات الفارة من التصعيد الأمني في السويداء، مشيراً إلى مشاركة المجتمع المحلي في درعا بتوفير الإمدادات إلى جانب الجهود الرسمية ومنظمات المجتمع المدني.
وأكد الزعبي أن عدد العائلات النازحة من السويداء والتي وصلت إلى مراكز الإيواء بلغت 3700 عائلة، بالإضافة إلى 800 عائلة استضافها أقارب في حوران، متحدثاً في الوقت نفسه عن وصول مساعدات إنسانية من محافظات أخرى بينها حلب حيث يتم توزيعها على المراكز عبر غرفة عمليات الطوارئ.
وتروي سامية محمود النازحة من بلدة شهبا بريف السويداء معاناتها مع عائلتها جراء النزوح إلى مركز إيواء بريف درعا الغربي حيث الظروف المناخية السيئة مع ارتفاع درجات الحرارة وما رافق ذلك من تعرض طفليها للمرض وقلة الخدمات الطبية نتيجة تزايد أعداد النازحين وعدم توفر كافة الخدمات الضرورية في مراكز الإيواء.
وتقول سامية لـ “963+”: “لقد تعرضنا للخوف والهلع بشكل لا يوصف وأيضاً لانعدام الكهرباء والماء ونقص حاد في المواد الغذائية وحليب الأطفال خلال الأيام الماضية قبل خروجنا من بلدة شهبا. نأمل بالعودة إلى منازلنا بأقرب وقت ممكن”.
وتتابع: “كنا نعيش في حي واحد مع عائلات أخوتي وأقاربي الآن لا نعرف أين ذهبوا. لقد خرجنا لوحدنا ولم نخرج أي شيء معنا سوى ملابسنا”.
اقرأ أيضاً: من يحكم السويداء؟.. صراع النفوذ الإقليمي في جنوبي سوريا – 963+
واقع الإيواء والاحتياجات الملحّة
وفقاً لما أعلنته منظمة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، فقد تم تجهيز 25 مركز إيواء في ريف درعا، لاستقبال النازحين من السويداء، بالتعاون مع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.
في مركز خربة غزالة، تحدث زياد البكاوي، مدير المركز، لـ”963+” عن استقبال 22 عائلة تتكون من 71 شخصاً، أغلبهم من النساء والأطفال، واصفاً أوضاعهم بـ”المزرية” بسبب المشاهد الدموية التي عايشوها.
ويوضح أن المركز يضم 14 غرفة في مدرسة مهيأة، وتم تأمين الطعام والدواء بجهود أهلية ومنظمات إنسانية.
لكن البكاوي يحذّر من النقص الحاد في المواد الأساسية، لا سيما حليب الأطفال، الأدوية، والفوط النسائية، مطالباً بمزيد من الدعم لتأمين احتياجات النازحين.
من جهتها، تقول يمامة الجمعات، من منظمة دائرة العلاقات المسكونية والتنمية، لـ”963+” إن المنظمة أجرت جلسات ترفيهية للأطفال ودعم نفسي للنساء، بالإضافة إلى توزيع مساعدات خاصة بالنساء، في محاولة للتخفيف من الآثار النفسية للحرب والحصار.
شهادات نازحين: ألم لا يوصف وأمل هش
في مركز جباب، تحدّث عبد الرحمن مسالمة المسؤول عن المركز، عن استقبال 80 عائلة، بينهم جرحى ومصابون جراء الاشتباكات. ويقول لـ”963+” إن فرق الهلال الأحمر وأطباء متطوعين قدموا الرعاية الصحية اللازمة، وإن الدعم الحكومي مستمر لتأمين حياة كريمة للمهجرين.
أما النازحة صبحية سالم من عشائر بدو المزرعة بريف السويداء والتي باتت تقطن في منزل أحد أقرباء زوجها في بلدة الصنمين بريف درعا تقول لـ “963+”: “العيش هنا أفضل بكثير من مراكز الإيواء لكن في الوقت نفسه نتساءل إلى متى سنبقى على هذه الحالة، نحن لسنا من العوائل الغنية أو المتوسطة أوضاعنا المادية ليست جيدة نحن نعيش في قلق دائم منذ أيام”.
وتضيف: “لدي طفل مريض يحتاج إلى دواء بشكل دائم ومراجعة طبية أيضاً كل ذلك يزيد من صعوبة الحياة هنا. بدأ زوجي بالبحث عن عمل لنعيل أنفسنا إذ ليس من الممكن البقاء في منزل أقربائه لمدة طويلة”.
وفي مشفى الصنمين، تحدثت إحدى الجريحات من الطائفة الدرزية عن تعرضهم لإطلاق نار على حافلة أثناء النزوح من قرية ولغا. وتوضح أن الرعاية الطبية توفرت لهم في مشفيي ازرع والصنمين، لكنها تشير إلى تعرضهم لبعض المضايقات من أفراد غاضبين لفقدان أقاربهم في المعارك.
اقرأ أيضاً: من الساحل إلى السويداء.. هل دمشق جادة في محاسبة الجناة وتحقيق العدالة؟ – 963+
إحصائيات النزوح: كارثة بحجم وطن
بحسب مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في درعا، فإن عدد العائلات المهجرة من السويداء تجاوز 2500 عائلة، توزعت على مراكز في مناطق مثل: “خربة غزالة، السهوة، ناحتة، جباب، بصرى الشام، الغرية الغربية، وكحيل”.
كما أعلنت الأمم المتحدة، الأربعاء، أن عدد النازحين داخل السويداء نفسها بلغ 93400 شخص، ما يسلط الضوء على حجم المأساة التي يعاني منها المدنيون في ظل تصاعد العنف.
إلى جانب ذلك، أفادت التقارير بأن البنية التحتية في المدينة دُمّرت جزئياً نتيجة الاشتباكات والغارات، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء، المياه، والاتصالات، وتوقف عمل المستشفيات بسبب نقص الكوادر الطبية والوقود.
احتياجات متزايدة وحلول غائبة
مع تفاقم الوضع الميداني، تعاني مراكز الإيواء من عجز كبير في الإمدادات الغذائية والطبية، فيما تتزايد المخاطر الصحية، خصوصاً مع انتشار جثث غير مدفونة في بعض الأحياء، ما يهدد بتفشي الأوبئة.
ورغم بعض المبادرات الإنسانية والمساعدات المحلية، إلا أن الواقع الميداني يُظهر حاجة ملحة لتحرك دولي وإغاثي عاجل. وتبقى قصص النازحين، وشهادات الجرحى، شاهداً حيًّا على واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في جنوب سوريا خلال السنوات الأخيرة.
ولم تعد الأحداث الجارية في السويداء، مجرد صراع مسلح أو نزاع محلي، بل تحوّلت إلى أزمة إنسانية شاملة تمس حياة آلاف العائلات، وتضع الجهات المحلية والدولية أمام مسؤوليات جسيمة.
ووسط كل هذا، تبقى دعوات التهدئة، والمصالحة، وإعادة الإعمار حاجة ملحّة، لتجاوز آثار ما وصفه شهود عيان بـ”مجزرة لن تُنسى”، واستعادة شيء من السلام الذي كان ذات يوم واقعًا في هذه المنطقة المنكوبة.










