ليست الضربات وحدها ما يُسقط المقاتل، بل أيضاً الحبال التي تلتف ببطء، بصمت، حتى تخنقه وهو لا يزال واقفاً.
هكذا يبدو “حزب الله” اليوم: واقفاً، يرفع صوته، يلوّح بقبضته، لكنه يختنق. لا لأنه قرر أن يتراجع، بل لأن الحبل اشتدّ من كل الجهات. مشهد نادر في تاريخ هذا التنظيم الذي اعتاد أن يُمسك برقاب الجميع، فإذا به اليوم يحاول أن يُنقذ رقبته.
من الجنوب، جاء الحبل الأول. إسرائيل، التي طالما روّج الحزب أنه يُرعبها، لقّنته درساً من نوع جديد. ليس في الضربات فحسب، بل في العجز الكامل عن الرد. مراكز قيادية ضُربت، قادة اغتيلوا، قوافل دُمرت، فيما السماء مفتوحة لطائرات تل أبيب من فوق الضاحية الجنوبية لبيروت أو البقاع. لم تُطلق “المقاومة” رصاصة واحدة ذات قيمة استراتيجية. لم تردع. لم تحمِ. حتى بيانات “الرد في الزمان والمكان المناسبين” صارت مادة للسخرية أكثر منها للتهديد.
الهزيمة هنا ليست في المعركة. الهزيمة في الصمت والجمود وفي انكشاف الحقيقة: أن سلاح الحزب لم يعد سوى فزّاعة صَدِئة، تُستخدم فقط ضد الداخل، لا ضد إسرائيل.
ومن الشرق، التفّ الحبل الثاني. النظام السوري، العمق الاستراتيجي للحزب منذ ولادته، تهاوى واندثر. لم يسقط فجأة، لكنه تآكل قطعة قطعة. من لحظة دخول الروس كأسياد، إلى عودة العرب كمراقبين، إلى تحوّل بشار الأسد إلى مجرد والي بمرتبة ثانوي في خريطة إقليمية أكبر منه. لم يعد النظام حليفاً، بل عبئاً مكلفاَ يحكمه من يملكون ثأراً قديماً ضد “حزب الله”.
لكن الأخطر، أن الناس في سوريا ولبنان ما عادوا يرون في الحزب “رفيق السلاح” ولا “داعماً للمقاومة”، بل يرونه ميليشيا دخيلة ساهمت في إطالة حروبهم، وتكريس مأساتهم، وحماية من دمّر بيوتهم وأحلامهم. في دمشق كما في حلب، في السويداء كما في درعا، في طرابلس وزحله وبيروت، لم يعد اسم “حزب الله” يثير الاحترام، بل الغضب. بات بالنسبة للسوري واللبناني البسيط أحد وجوه الاحتلال، لا التحرير.
والحبل الثالث جاء من طهران. إيران، التي بدت لوهلة أنها على أبواب التحوّل إلى قوة مهمة، عادت وانكفأت. سُحبت منها الهيبة التي بنتها طوال عقود ببضعة أيام، وتلقّت صفعات موجعة من إسرائيل في العمق، في البر والبحر والجو. ومثلما بدا الحزب في لبنان عاجزاً، ظهرت إيران في لحظة وهن نادرة. لم يعد بإمكانها تغذية أذرعها كما في السابق، لا مالاً ولا غطاءً سياسياً، وهي بالكاد تفاوض على رفع العقوبات وإنقاذ اقتصادها المنهار.
وهكذا وجد الحزب نفسه أمام أمّ أنهكتها العقوبات، وحليف سوري بات في خبر كان، وجيش إسرائيلي يضرب من دون أن يكترث لأحد، وساحة داخلية تزداد اختناقاً.
وفي الداخل اللبناني، تكتمل الحلقة. لم يعد “حزب الله” الحزب المقدس. انكسر حاجز الخوف. سقطت الهالة. ارتفع الصوت، حتى من قلب “البيئة الحاضنة”. جبران باسيل، الحليف المدلل، يقول علناً إن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة. طوني فرنجية، وريث العلاقة مع دمشق، يتحدث عن ضرورة إنهاء الازدواجية في القرار. حتى الحكومة اللبنانية، اتخذت قراراً جريئاً يوم الخامس من أغسطس/آب الحالي بحصر السلاح في يد الدولة قبل نهاية العام الحالي.
أما الناس، الناس الذين لا يكتبون البيانات ولا يطلّون على الشاشات، فقد انفضّوا من حوله. الشارع الشيعي، الذي طالما صبر وتحمّل وأُغري بالشعارات، بات يهمس: إلى متى؟ الناس في الجنوب، في البقاع، في الضاحية، يريدون العيش لا الموت، يريدون الخبز لا “النصر الإلهي”، يريدون أن يُدفن أولادهم حين يشيبون، لا حين يُساقون باسم قضية ما عاد كثر يفهمون مضمونها.
وفي بيروت، في طرابلس، في صيدا، لم يعد أحد يصدّق أن الحزب يحمي لبنان. بات كثيرون يرونه أحد الأسباب الرئيسية لعزلته، لانهياره، لتبعيته، لعجزه عن أن يكون دولة لا ساحة، ووطناً لا معسكراً.
وهكذا، يبدو “حزب الله” اليوم كما لم يكن من قبل: هُزم أمام إسرائيل، وخسر غطاء دمشق، وانكفأت عنه طهران، وانفضّ من حوله الحلفاء، وسئمه الشارع… وكرهه الجوار.
لكن المأزق الأخطر ليس في السياسة، بل في الفكرة. فكرة “المقاومة”، التي طالما قدّمها الحزب كعنوان للشرعية، تآكلت. لم تعد مقنعة. لا لأنها كذبة، بل لأنها استُهلكت. لم تُحرّر شبراً من الأرض، لكنها استُخدمت لتخريب أوطان، وتصفية ثورات، ومطاردة أحلام.
لقد لفّ الحبل بسرعة، وبشكل انقلاب درامي. حبل من هزائم سياسية وعسكرية واجتماعية وأخلاقية. حبل من تناقضات الداخل، وفضائح الخارج، وارتدادات الكراهية في الإقليم. حبل التفّ على عنق الحزب، لا ليخنقه فوراً، بل ليقول له: “لم تعد أنت ما كنت عليه… ولم يعد الناس يرونك كما أردتهم أن يرَوك”.
والسؤال الآن ليس إن كان الحبل موجوداً، بل إن كان الحزب قادراً على أن يفعل شيء لينقذ عنقه.










