في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، تعيد تركيا تموضعها تجاه سوريا، ملوّحة بالانفتاح على دمشق الجديدة بشرط الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ورافضة أي مشاريع تقسيم أو ترتيبات تمس أمنها القومي. وبين التصعيد في الجنوب، والتحركات الديبلوماسية حول الاتفاقيات الإبراهيمية، توازن أنقرة بين براغماتية الانفتاح ومخاوف فقدان النفوذ، واضعة خطوطاً حمراء لأي تغيير خارج تنسيقها أو يهدد حدودها الجنوبية.
وأبدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده لتحسين العلاقات مع سوريا بشرط الحفاظ على وحدة أراضيها، محذراً من أي تقسيم أو إعادة رسم للخرائط، ومتفائلاً بتصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، كما لم يعارض انضمام دمشق للاتفاقيات الإبراهيمية ما لم تمس السيادة السورية، وذلك في رد ضمني على دعوة ترامب لرفع العقوبات.
في المقابل، عبّرت أنقرة عن قلقها من التصعيد الإسرائيلي في الجنوب والاشتباكات في السويداء، محذّرة من وجود مسلح خارج سيطرة دمشق قرب حدودها، ومؤكدة استعدادها للتدخل عسكرياً إن فشلت الديبلوماسية.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي إلى سوريا: أهداف الشرع تتوافق مع أهداف واشنطن وحلفائها – 963+
إجماع ضمني.. معارضة ظاهرية
يقول درويش خليفة، كاتب وسياسي سوري، مقيم في تركيا، لـ”963+”، إن “جميع دول الإقليم تبحث عن سوريا موحدة بما فيها إسرائيل. فتل أبيب لا ترغب بأن تكون سوريا مقسمة أو فيدرالية لأن هذا الأمر معدٍ ومن الممكن أن يطالب عرب النقب بالحكم الذاتي”.
ويوضح أن “إسرائيل لا يهمها فدرلة سوريا أو تقسيمها إنما ترغب بأن تكون سوريا “مفتتة” وفي هذه الحالة ليست مقسمة على أساس جغرافي إنما على أساس ديموغرافي، عبر دعم مكونات على حساب مكونات أخرى لإدخال البلاد بصراع سياسي”.
ويستبعد خليفة أن “ترفض تركيا انضمام الحكومة السورية وتوقيعها على اتفاق إبراهام، خاصة أنقرة هي من سعت إلى عقد اجتماعات بين دمشق وتل أبيب سواءً أنقرة أو في العاصمة الأذربيجانية باكو، وكانت على اطلاع باجتماع وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني ووزير الشؤون الإسرائيلية في باريس”.
من جهته، يقول بشار علي الحاج علي، محلل سياسي، لـ”963+”، إن “تركيا كانت دائماً من أشد المدافعين عن وحدة الأراضي السورية، ليس فقط كعنوان سيادي، بل كأولوية تتعلق بأمنها القومي المباشر. وهي ضد أي مسار يقود إلى تفكيك سوريا أو فرض واقع فدرالي يمنح حكماً ذاتياً، حتى وإن كان غير معلن”.
اقرأ أيضاً: أردوغان: الشرع اتخذ موقفاً “حازماً” في السويداء وتركيا لن تترك سوريا وحدها – 963+
أنقرة حاضرة
يضيف الحاج علي: “بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ومع التغير السياسي العميق الذي شهدته دمشق، تبدو أنقرة حاضرة بفعالية في رسم ملامح السلطة الجديدة، سواء عبر التفاهمات الإقليمية أو الحضور غير المعلن في مفاصل القرار”.
ومع ذلك، فإن موقفها من وحدة سوريا لم يتغيّر، بل بات أكثر ارتباطاً بمنع أي ترتيبات سياسية أو عسكرية قد تنتج تهديدًا مستقبلياً من الشمال الشرقي السوري، وبعبارة واضحة: “تركيا تدعم سوريا موحدة، لكن شرط أن تكون خالية من أي مشاريع انفصالية أو قوى معادية لها على حدودها، وتحت سلطة مركزية قابلة للتفاهم والتنسيق المستمر معها”، بحسب الحاج علي.
ويشير إلى أن السلطة الجديدة في دمشق، التي تشكّلت بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، تُعيد رسم تموضع سوريا الإقليمي، ورغم أن هذه السلطة أكثر براغماتية وانفتاحاً على التوازنات الدولية، فإن تركيا تراقب بحذر أي خطوات قد تُخرج سوريا من مجال نفوذها وتُدخلها في محاور إقليمية موازية، مثل الاتفاقات الإبراهيمية.
ويرى أن أنقرة لا تعارض السلام بحد ذاته، “لكنها تعارض التوظيف السياسي للاتفاقات الإبراهيمية إذا كان المقصود منها إعادة إنتاج خارطة نفوذ في سوريا تُهمّش دور تركيا أو تُعطي أرجحية لدول أو أطراف تتنافس معها استراتيجياً”.
ويشدد على أن “أنقرة لا ترفض انخراط دمشق الجديدة في تفاهمات إقليمية، لكنها تضع علامات استفهام على توقيتها، وظروفه، والجهات التي ترعاه، خاصة إذا تم بعيداً عن التنسيق مع الحلفاء الإقليميين الذين ساهموا فعلياً في مرحلة ما بعد الأسد”.










