في تزامن لافت، أبطلت المحكمة العليا في فرنسا، يوم الجمعة الماضي، مذكرة توقيف صدرت بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بدعوى أنها صدرت بينما كان لا يزال يشغل منصب رئيس الجمهورية. غير أنها أكدت إمكانية إصدار مذكرة جديدة بحقه بعد فقدانه المنصب.
وقد تزامن هذا القرار مع لقاء جمع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بوزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، بحضور المبعوث الأمريكي توماس باراك. وقد ناقش الاجتماع، الذي استمر نحو أربع ساعات، ملفات أمنية تتعلق بالمناطق الحدودية المتاخمة.
وفي هذا السياق، أكد توماس باراك، عبر منصة “إكس”، أنه التقى “مسؤولين سوريين وإسرائيليين” في باريس بهدف “الحوار ووقف التصعيد”، مضيفًا أن اللقاء حقق تقدمًا ملموسًا، وأن “جميع الأطراف أكدت التزامها بمواصلة هذه الجهود”.
اقرأ أيضاً: محكمة فرنسية تبطل مذكرة توقيف بشار الأسد – 963+
من جهته، نقل موقع “أكسيوس” الأميركي عن مصادر إسرائيلية مطّلعة أن هدف اللقاء كان “التوصل إلى تفاهمات أمنية تضمن استمرار وقف إطلاق النار في الجنوب السوري”.
ويبدو، إذن، أن مسار التفاهمات السورية–الإسرائيلية يسير بخطى ثابتة نحو غايته الرئيسة، التي عبّر عنها باراك في منشوراته على “إكس”، حين “حثّ إسرائيل على إجراء حوار لتهدئة مخاوفها بشأن القادة الجدد في سوريا”، كما دعا الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى “تقويم سياساته وتبنّي نهج أكثر شمولاً”.
إلا أن هذا المسار يبقى مرتبطاً بعدة ملفات، من أبرزها تحقيق الاستقرار الداخلي في سوريا، وتنفيذ اشتراطات أمنية متعلقة بالنقاط الحدودية مع إسرائيل.
جدل حول العدالة الدولية
يرى الكاتب السوري درويش خليفة، أن إسقاط المحكمة الفرنسية العليا لمذكرة توقيف بحق شخصية متهمة بارتكاب جرائم موثقة، “لا يُعد مجرد إجراء قضائي، بل يحمل دلالات أعمق، تُرجّح أحد احتمالين: إما تسييس العدالة، أو إعادة ترتيب الأولويات الدولية بشأن العدالة الانتقالية والمساءلة”.
وفي تصريحات لـ”963+” يشير خليفة إلى أن توقيت القرار لافت للغاية، إذ تزامن مع لقاء وزير الخارجية السوري بأسعد الشيباني بوزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، ما يعكس ـ حسب تعبيره ـ تداخلًا واضحًا بين الدبلوماسية القضائية والدبلوماسية السياسة.
ويلفت إلى أن “المعطيات الراهنة تشير إلى توجه دولي، تقوده فرنسا، نحو فتح مسار تفاوضي سوري–إسرائيلي، أو على الأقل، كسر الحواجز التقليدية التي أحاطت بهذا الملف لعقود”.
ويضيف أن إلغاء مذكرة التوقيف، رغم انتهاء مرحلة الأسد، “يبعث برسالة مفادها أن الغرب لم يعد مصرًّا على شيطنته، بما قد يُفهم على أنه إعادة إنتاج للرواية السياسية التي رافقت بقاء النظام السوري، لتتحول مسألة محاسبته إلى ورقة تفاوضية تُستخدم عند الحاجة”.
ويشدّد على أن هذا القرار يُمثّل ضربة رمزية قاسية لمصداقية العدالة الدولية في أعين الضحايا السوريين، ويطرح تساؤلاً محورياً: هل باتت العدالة الدولية انتقائية، تخضع لحسابات الجغرافيا السياسية والمصالح المتبدّلة؟
ويوضح أن “الرسالة الضمنية واضحة: ثمّة أوراق سياسية وقضائية يتم الاحتفاظ بها لاستخدامها في اللحظة المناسبة، بما في ذلك ورقة بشار الأسد، التي ما تزال قابلة للتفعيل أو المساومة”.
اقرأ أيضاً: الثانية… محكمة فرنسية تصدر مذكرة قضائية لاعتقال بشار الأسد – 963+
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن باريس لطالما حرصت على دعم المكونات السورية ذات الحضور العددي المحدود، تحت عنوان حماية “الأقليات الدينية والعرقية”، خشية تغوّل المكوّن الأكبر. “إلا أن الديبلوماسية الفرنسية باتت تسعى لمواءمة هذا المبدأ مع التحولات السياسية، في محاولة لإنتاج صيغة سياسية مقبولة قد تفتح الباب، مستقبلاً، أمام نظام سياسي سوري أكثر شمولاً، بعيدًا عن الانغلاق والتفرّد، وأقرب إلى الشراكة الوطنية”.
ويمكن فهم خلفيات القرار القضائي ضمن ما يمكن تسميته بـ”الهندسة السياسية” التي تنتهجها باريس، والتي ترى في سوريا جزءًا من مجالها الحيوي والاستراتيجي. إذ تسعى فرنسا إلى ربط آفاق التغيير في سوريا بأدوات سياستها الخارجية، مع حرصها على التمايز عن الولايات المتحدة وتركيا. وقد تجلى ذلك بغياب الحضور التركي عن اجتماع باريس، وتصريحات الرئيس ماكرون بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية في اجتماعات الأمم المتحدة المقبلة، ما يعكس رغبة فرنسية في إبراز دورها المستقل في ملفات الشرق الأوسط.
موازنة بين الدعم السياسي وأدوات الضغط
من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي، إن قرار المحكمة العليا في فرنسا بإبطال مذكرة التوقيف بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد “لا يبدو مرتبطاً بشكل مباشر بالضغوط الممارسة على دمشق ضمن مسار الترتيبات الإقليمية الجديدة، لا سيما ما يتعلق بالتفاهمات مع إسرائيل”.
ويلفت علاوي في تصريحات لـ”963+” إلى أن موعد جلسة المحكمة كان معلنًا منذ فترة، مما يُضعف فرضية ارتباطه بسيناريو سياسي محدد.
إلا أنه يشدد على ضرورة النظر إلى القرار ضمن ديناميات أوسع تديرها باريس في الملف السوري، موضحاً أن “فرنسا تمارس نوعاً من الموازنة بين تقديم دعم سياسي مشروط للنظام السوري، وبين استخدام أدوات ضغط قانونية وديبلوماسية تُبقي يدها فاعلة في هندسة مستقبل سوريا”.
ويضيف: “من الصعب اليوم تصور أن أي خطوة تُتخذ على الساحة السورية يمكن أن تكون بمنأى عن التنسيق بين العواصم الغربية، لا سيما باريس وواشنطن. فهناك توجه واضح نحو إرساء شكل من أشكال الاستقرار في سوريا، يترافق مع الدفع باتجاه تفاهمات أمنية وسياسية مع إسرائيل، في إطار خطوات متوازية”.










