في خطوة تثير العديد من التساؤلات حول أبعادها الاستراتيجية والاقتصادية، وقّعت الحكومة السورية اتفاقاً مع شركة “سوكار” الأذرية لتوريد الغاز الطبيعي عبر الأراضي التركية، في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة السوري أزمة إنتاج غير مسبوقة منذ عام 2010.
ورغم الترحيب الرسمي بهذا الاتفاق بوصفه “خطوة نحو الاستقلال بالطاقة”، يبرز تساؤل جوهري: هل يشكّل الاعتماد على خط أنابيب يمرّ عبر تركيا فرصة حقيقية لتأمين احتياجات البلاد من المحروقات، أم أنه ينذر بتكريس تبعية جديدة قد تضع الاقتصاد السوري أمام رهانات جيوسياسية معقدة؟
وهذه التساؤلات يطرحها خبراء الاقتصاد والعلاقات الدولية، الذين يرون أن خلفيات التحالف التاريخي بين تركيا وأذربيجان قد تحمل أبعاداً إضافية على مستقبل هذا المشروع، وسط تحديات إعادة إعمار البنية التحتية للطاقة وتراجع الإنتاج المحلي إلى مستويات خطيرة.
وأبرمت وزارة الطاقة السورية، أمس السبت، اتفاقاً مع شركة “سوكار” الأذرية لتوريد الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر الأراضي التركية. وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير، إنه ناقش مع المسؤولين في أذربيجان سُبل تعزيز التعاون في مجال الغاز الطبيعي لتأمين مستقبل الطاقة في سوريا، مضيفاً أن “الاتفاقية خطوة نحو الاستقلال بالطاقة وبناء شراكات استراتيجية تخدم الوطن والمواطن”، وفقاً لما نقلته قناة “الإخبارية” السورية.
وفي هذا السياق، يعتبر كميل الساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون، في تصريحات لـ”963+” أن الاتفاق مع أذربيجان يعد “إيجابياً للغاية”، موضحاً أن جميع الدول، بما فيها الدول الأوروبية، تسعى للتعاقد مع هذا البلد من أجل شراء المحروقات، سواء الغاز أو النفط، لما يتمتع به من موقع استراتيجي ووفرة في الموارد.
اقرأ أيضاً: إبرام اتفاق سوري – أذري لتوريد الغاز الطبيعي عبر تركيا – 963+
“الاتفاق إيجابي لكن التبعية خطر حقيقي”
كما أعلنت الرئاسة الأذربيجانية أن الرئيس الأذري إلهام علييف عقد اجتماعاً موسعاً مع نظيره السوري أحمد الشرع، بمشاركة عدد من الوزراء والمسؤولين من كلا البلدين.
وذكرت الرئاسة أن الجانبين ناقشا آفاق التعاون الثنائي التي شهدت توسعاً ملحوظاً بعد سقوط النظام المخلوع، مؤكدين على أهمية تطوير العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، لاسيما قطاع الطاقة.
وحول اعتماد خط التوريد عبر تركيا، يشير الساري إلى أن “مرور الأنبوب عبر الأراضي التركية ينسجم مع حالة التوافق والتحالف التاريخي بين تركيا وأذربيجان، التي تعززت خلال النزاعات السابقة مع أرمينيا”، مشيراً إلى الروابط الدينية والتاريخية التي تدعم هذا التحالف.
ويوضح الساري أنه رغم أهمية المشروع، فإن “التحدي الأكبر يتمثل في احتمال نشوء تبعية بين سوريا من جهة، وتركيا وأذربيجان من جهة أخرى، لا سيما إذا ظهرت خلافات جيوسياسية بين أنقرة ودمشق”.
ويضيف أن “من الوارد نظرياً أن تلجأ تركيا إلى إغلاق الأنبوب في حال حدوث أزمات، كما حدث تاريخياً في علاقة روسيا بأوكرانيا، وإن كان لا يعتقد أن هذا السيناريو مرجح حالياً”.
وأوضح بيان الرئاسة الأذربيجانية أنه تم الاتفاق على المضي قدماً في تنفيذ مشروع تصدير الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر الأراضي التركية، في خطوة يُتوقع أن تسهم بشكل كبير في دعم أمن الطاقة في سوريا. وفي المقابل، شدد الساري على أهمية ألا يؤدي هذا التعاون إلى تعميق الاعتماد على تركيا أو أي جهة واحدة، بما قد يعطل تطوير الاقتصاد السوري وصناعته، داعياً إلى تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد حصراً على الاستيراد.
وأشارت وكالة الأنباء الأذربيجانية إلى استعداد باكو للمساهمة في إعادة بناء البنية التحتية لقطاع الطاقة السوري، مستفيدة من خبرتها في مشاريع الإعمار.
ويأتي ذلك في وقت انخفض فيه إنتاج الغاز الطبيعي السوري من 30 مليون متر مكعب يومياً عام 2010 إلى 9.1 ملايين متر مكعب في الوقت الراهن، حيث تنتج الحكومة السورية نحو 8 ملايين متر مكعب، في حين تنتج الحقول الواقعة بمناطق “قسد” نحو 1.1 مليون متر مكعب يومياً، ما يعزز الحاجة إلى مصادر بديلة لتغطية الفجوة الكبيرة في الإنتاج المحلي.
اقرأ أيضاً: استثمارات قطاع الطاقة والنفط والغاز تنعش الاقتصاد السوري! – 963+
مشاريع ضخمة
وفي 29 أيار/ مايو الماضي، وقعت وزارة الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية اتفاقية مع شركات قطرية وتركية وأميركية لتعزيز الاستثمار الدولي في قطاع الطاقة، شملت تطوير أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية تعمل بالدورة المركبة “CCGT” في محافظة دير الزور، ومحردة وزيزون بريف محافظة حماة، وتريفاوي بريف حمص.
وجرى توقيع الاتفاقية مع شركات “يو سي سي القابضة” و”أورباكون” القطريتين، و”كاليون جي إي إس إنرجي ياتيريملاري” و”جنكيز إنرجي” التركيتين، و”باور إنترناشونال يو إس إيه” الأميركية، على أن تبلغ سعة التوليد الإجمالية للمحطات الأربع حوالي 4000 ميغاواط، باستخدام تقنيات أميركية وأوروبية، إلى جانب محطة طاقة شمسية بسعة 1000 ميغاواط في منطقة وديان الربيع جنوبي دمشق.
وقال وزير الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية محمد البشير في كلمة بعد توقيع الاتفاقية، إن قيمة الاستثمار الإجمالية بلغت 7 مليارات دولار أميركي، وستسهم في توليد 5000 ميغاواط، معتبراً أن ذلك يساهم في زيادة عدد ساعات التغذية الكهربائية وينعكس إيجاباً على جميع مناحي الحياة في سوريا.
وأفادت شبكة “سي إن بي سي” الأميركية في 27 مايو الماضي، أن سوريا والولايات المتحدة تناقشان خطة لتطوير قطاع الطاقة في سوريا، ونقلت عن الرئيس التنفيذي لشركة “أرغنت” الأميركية للغاز الطبيعي المسال جوناثان باس أن الخطة الاستراتيجية المؤلفة من خمس مراحل تتضمن إطلاق شركة “SyriUS Energy” كمشروع سوري – أميركي لإعادة بناء قطاع النفط والغاز بمشاركة شركات كبرى.
وفي 22 أيار/ مايو الماضي، أبرم وزير الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية محمد البشير اتفاقاً مع نظيره التركي ألب أرسلان بيرقدار للاستثمار في قطاعات الطاقة والتعدين والفوسفات.
وقال الوزير التركي حينها، إن بلاده ستزود سوريا بـ2 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي لاستخدامها في توليد الكهرباء، موضحاً خلال مؤتمر صحفي في دمشق أن هذا الغاز سيمكن سوريا من توليد 1300 ميغاواط من الكهرباء، وأشار إلى بدء تزويد سوريا بالكهرباء بمقدار 1000 ميغاواط.
وفي 13 آذار/ مارس الماضي، قال وزير الكهرباء في حكومة تصريف الأعمال السورية عمر شقروق إن قطر قررت دعم قطاع الطاقة السوري عبر توفير مليوني متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً.
وأضاف شقروق أن هذه الكمية ستستخدم لتوليد 400 ميغاواط إضافية من الكهرباء، موضحاً أن الإمدادات ستصل إلى محطة دير علي لتوليد الكهرباء في ريف دمشق عبر الأراضي الأردنية خلال 12 ساعة، على أن يستمر الإمداد 3 أشهر.










