لم تقتصر آثار الحرب في سوريا على الدمار الواسع الذي طال البنى التحتية والخسائر البشرية التي أرهقت المجتمع السوري، بل امتدت لتطال أحد أكثر الملفات التي يتم التغاضي عنها وهي البيئة والمناخ.
فقد أدت العمليات العسكرية المكثفة واستخدام الأسلحة الثقيلة والمتفجرات والمواد الكيميائية إلى إطلاق كميات هائلة من الغازات الدفيئة والملوثات السامة في الهواء، في ظل غياب أي رقابة بيئية أو تقييم رسمي للأضرار المناخية والبيئية التي لحقت بالبلاد.
ولُوحظت آثار مباشرة على صحة السكان، تمثلت في ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية، إضافة إلى أمراض جلدية ومناعية مزمنة، بل وتزايد في معدلات الوفيات الناتجة عن تدهور الوضع الصحي والبيئي.
اقرأ أيضا: معالجة المياه وإدارة النفايات.. آثار كارثية على النظام البيئي – 963+
خطورة الانبعاثات
وبحسب رئيس مجلس إدارة “نيوز بالعربي” عبدالرحمن عمران، والمقيم في العاصمة المصرية القاهرة، فإن أبرز الغازات التي تم إطلاقها نتيجة العمليات العسكرية تشمل ثاني أكسيد الكربون (CO₂) الناتج عن احتراق الوقود والمواد العضوية، والميثان (CH₄) المنبعث من حرق المخلفات، وأكاسيد النيتروجين (NOₓ) الناتجة عن الانفجارات وحرائق المنشآت. كذلك، ساهمت التفجيرات المكثفة في إطلاق الجسيمات الدقيقة (PM2.5 وPM10)، التي تشكل خطراً مباشراً على صحة الجهاز التنفسي.
ويقول عمران في تصريحات لـ”963+”، إن هذه الانبعاثات لم تؤثر فقط على المناخ المحلي، بل أسهمت في رفع نسب التلوث الجوي إلى مستويات مقلقة، خاصة في المناطق التي شهدت أعنف المعارك مثل الغوطة الشرقية، ومدن حلب والرقة ودير الزور.
ويبيّن، أن دراسات صادرة عن منظمات دولية مثل “المنظمة العالمية للأرصاد الجوية”، إلى جانب أبحاث محلية محدودة، وثّقت التدهور البيئي الحاصل في مناطق النزاع، مشيراً إلى تردي نوعية الهواء وتلوث مصادر المياه وازدياد التعرية والتصحر في المناطق الزراعية.
ويرى، أن المجتمع الدولي لا يزال يغض الطرف عن هذه الكارثة الصامتة، مركّزاً فقط على الأبعاد السياسية والإنسانية والعسكرية للحرب، في حين يُهمَل الجانب البيئي الذي سيكون له تأثير طويل الأمد على مستقبل سوريا وأجيالها القادمة. وأوضح أن غياب آليات فعّالة لتقييم الأضرار البيئية، وضعف الإمكانات التقنية للجهات المحلية، يفاقمان الأزمة.
ولا تزال الأضرار البيئية الناتجة عن الحرب في سوريا غير موثقة بشكل رسمي وشامل من قبل الأمم المتحدة أو الجهات الحكومية السورية، وذلك بسبب تعقيدات النزاع وتدهور البنية التحتية للمؤسسات المعنية. إلا أن بعض المنظمات الدولية حاولت رصد الآثار البيئية للحرب جزئياً، مستخدمة تقنيات متقدمة مثل الصور الفضائية والاستشعار عن بعد لتقدير حجم التدهور في بعض المناطق.
اقرأ أيضاً: السلامة البيئية بعد النزاع المسلح في سوريا – 963+
بعد بيئي
وتقول مؤسسة ورئيسة جمعية حماية دعم وعطاء جانيت فرنجية، المقيمة في العاصمة اللبنانية بيروت، أن المجتمع الدولي يغفل بشكل كبير البُعد البيئي في تقييم آثار الحرب على سوريا، حيث يتركّز الاهتمام بشكل رئيسي على الأبعاد الإنسانية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.
وترجع فرنجية في حديث لـ”963+”، هذا التجاهل إلى النقص الحاد في البيانات الميدانية الموثقة، إضافة إلى غياب آليات فعالة لحماية البيئة خلال النزاعات، ما جعل من الصعب إدراج هذا الجانب ضمن التقارير الرسمية الصادرة عن الهيئات الدولية.
اقرأ أيضاً: الأسلحة الكيمائية والمتفجرات.. تلوث الهواء والمياه والتربة في سوريا – 963+
وتؤكد، أن الانبعاثات الغازية الناتجة عن التفجيرات واحتراق الوقود والمواد الصناعية تركت أثراً بالغاً على صحة السكان المحليين. فقد ارتفعت معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي مثل الربو، التهاب الشعب الهوائية، وحتى سرطان الرئة في بعض المناطق المتضررة.
كما أدى تلوث المياه والتربة إلى زيادة الأمراض الجلدية والمعوية، في حين تسبب التعرض للمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة في اضطرابات بالجهاز العصبي ونمو الأطفال. وتعد الفئات الأكثر عرضة لهذه المخاطر الصحية هي الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل.
وتشير فرنجية إلى عدد من الحلول والسياسات التي يمكن أن تُسهم في التقليل من الأثر البيئي للحرب في سوريا أو التعافي منه مستقبلاً. “أولى الخطوات تتمثل في إجراء تقييم دقيق وشامل للأضرار البيئية، بالتعاون مع منظمات دولية متخصصة. يلي ذلك مراقبة جودة الهواء والمياه في المناطق المتضررة، والعمل على إزالة التلوث من الأحياء السكنية ومواقع القتال السابقة”.
أما على المدى الطويل، فتوصى السياسات البيئية بإعادة تشجير المناطق المتضررة، واستعادة الغطاء النباتي، والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة في عمليات إعادة الإعمار.
كما يجب دمج البعد البيئي ضمن خطط إعادة الإعمار الوطنية، والعمل على الضغط دولياً لاعتبار التدمير البيئي أحد أوجه جرائم الحرب التي وقعت في سوريا، بما يضمن المحاسبة، والتعويض، وإصلاح ما يمكن إصلاحه من آثار الكارثة البيئية التي سببتها الحرب.










