يشير الإقناع، بالمعنى التقليدي، إلى التأثير على مواقف أو معتقدات أو تصرفات الآخرين من خلال التواصل. أما الذكاء الاصطناعي، فيأخذ هذا المفهوم إلى مستوى جديد، بدمج تحليل البيانات والتعلم الآلي وعلم النفس السلوكي لتقديم استراتيجيات إقناع مخصصة، حيث تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات تتناول تفضيلات الأفراد وسلوكهم، وحتى حالتهم العاطفية، من أجل تصميم رسائل أو إجراءات تهدف إلى التأثير في قراراتهم.
تشمل تقنيات الذكاء الاصطناعي “التخصيص”، أي تكييف الرسائل بناءً على بيانات المستخدم؛ وصياغة المعلومات، التي تؤثر في طريقة تفسير المتلقي للرسالة؛ والتكيف العاطفي، حيث يتعرف النظام على حالة المستخدم العاطفية ويضبط استجاباته وفقاً لذلك. وتستند هذه الأساليب إلى مبادئ علم النفس، لكن تُنفّذ بدقة وعلى نطاق لم يسبق له مثيل، ما يجعل الذكاء الاصطناعي ليس مجرد وسيلة لنقل الرسائل، بل مشاركاً نشطاً في تشكيل السلوك البشري.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الموت! – 963+
يُعتبر التسويق والإعلانات من أبرز المجالات التي يظهر فيها الإقناع بالذكاء الاصطناعي، إذ تستخدم منصات التواصل الاجتماعي ومواقع التجارة الإلكترونية ومحركات البحث الذكاء الاصطناعي لتخصيص الإعلانات وفقاً لسجل التصفح وتفضيلات المستخدم ورغباته المتوقعة. ولا تقتصر هذه الأنظمة على عرض الإعلانات فحسب، بل تُقدّمها بطريقة استراتيجية لزيادة التفاعل أو رفع نسبة الشراء. ومع تطور النماذج اللغوية والتنبؤية، بات بإمكان المنصات الرقمية محاكاة أنماط الحديث البشري وحتى تبني لهجات محلية لخلق شعور بالمصداقية والحميمية لدى المتلقي.
وتُستخدم أنظمة الإقناع بالذكاء الاصطناعي أيضاً في وسائل التواصل الاجتماعي وأنظمة التوصية، إذ تعتمد منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام على خوارزميات تركز على إبقاء المستخدمين متفاعلين، ما يدفعهم لمشاهدة المزيد من المحتوى. وتتعلم هذه الأنظمة ما يثير اهتمام المستخدم وتواصل دفعه نحو محتوى مشابه أو أكثر جاذبية، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى إنشاء فقاعات معلومات أو تعزيز سلوكيات إدمانية. وهنا، يتحول الإقناع من وسيلة لتلبية الرغبة إلى آلية لتشكيل الرغبة ذاتها، وهو تحول خطير يستدعي التأمل في توازن القوى بين المستخدم والتقنية.
وفي مجالات أكثر إيجابية، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في الصحة والتعليم، إذ قد تستخدم التطبيقات الصحية تقنيات “الدفع السلوكي” لتشجيع المستخدمين على المشي أكثر، أو تناول طعام صحي، أو الحفاظ على مواعيد الأدوية. وتستخدم المنصات التعليمية الذكاء الاصطناعي لتحفيز الطلاب وضمان التقدم من خلال تعديل مستوى الصعوبة وتقديم التشجيع والتذكير بالتقدم. وهنا، يسعى الذكاء الاصطناعي المُقنع إلى دعم التغيير الإيجابي في السلوك، لا سيما عندما تُبنى هذه الأنظمة وفق مبادئ الشفافية واحترام استقلالية المستخدم.
اقرأ أيضاً: في الصين… أول نصف ماراثون عالمي لروبوتات بهيئة بشرية – 963+
ورغم الفوائد العديدة التي يقدمها الإقناع بالذكاء الاصطناعي، إلا أنه يثير تحديات أخلاقية كبيرة، أبرزها التمييز بين الإقناع والتلاعب. فعندما تُصمم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحقيق أعلى معدلات تفاعل أو تحويل، قد تستغل نقاط ضعف المستخدم النفسية، ما يثير تساؤلات بشأن حرية الاختيار. ويزداد القلق حين تُستخدم هذه التقنيات في الحملات السياسية أو التوجيه الإعلامي، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهِم في تضخيم المعلومات الزائفة أو تعزيز الاستقطاب الأيديولوجي عبر استهداف المستخدمين بمحتوى محدد يعزز قناعاتهم دون أن يتيح لهم وجهات نظر مغايرة.
وفي هذا السياق، تزداد الحاجة إلى أطر تشريعية واضحة تضع حدوداً لاستخدام تقنيات الإقناع بالذكاء الاصطناعي، وتُلزم الشركات بتقديم تفسير واضح لكيفية اتخاذ الأنظمة قراراتها، لا سيما في التطبيقات الحساسة كالرعاية الصحية، والتعليم، والإعلام السياسي. كما أن تعزيز “الشفافية الخوارزمية” بات ضرورة لضمان عدم تحول هذه الأنظمة إلى أدوات غير مرئية لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والاقتصادي بما يخدم أطرافاً محددة.
خلاصة القول، إن الإقناع بالذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تقني، بل يمثل لحظة مفصلية في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، تُعيد تعريف حدود الإرادة والاختيار، وتستدعي وعياً فردياً وجماعياً، بالإضافة إلى رقابة قانونية وأخلاقية فعالة، تضمن أن تبقى هذه القوة الجديدة في خدمة الإنسان، لا في السيطرة عليه.










