ما تزال محافظة السويداء السورية الواقعة جنوبي البلاد تشهد حالة من الترقب والتساؤلات، على خلفية تقديم المحافظ مصطفى البكور استقالته، عقب حادثة اقتحام مسلّحة لمكتبه في مبنى المحافظة. الحادثة التي وقعت في 21 أيار/مايو الجاري، سلطت الضوء على هشاشة الوضع الأمني في المحافظة، وسط ظهور مجموعات مسلحة، وعجز السلطات عن احتواء التجاوزات المتكررة.
اقتحام مسلح لمكتب المحافظ
في التفاصيل، أفادت تقارير إعلامية أن مجموعة مسلحة اقتحمت مكتب المحافظ مصطفى البكور، مطالبة بالإفراج عن اثنين من الموقوفين هما راغب قرقوط وضياء برجاس، المتهمين في قضية تتعلق بسرقة سيارة. ووفقاً للمصادر، فقد أشهر أحد أفراد المجموعة سلاحه داخل المكتب، مهدداً المحافظ وموظفيه.
ورغم التهديد، تصرّف المحافظ البكور بهدوء، وطلب من عناصر الحراسة عدم الاشتباك مع المجموعة، وسمح لهم بالدخول إلى مكتبه، تفادياً لأي تصعيد مسلح داخل مقر حكومي. وعقب ذلك، أفرج عن الموقوفين، وغادر البكور محافظة السويداء متوجهاً إلى دمشق.
اقرأ أيضاً: الحكومة السورية تعين قائداً للأمن الداخلي في السويداء – 963+
تقديم الاستقالة ورفضها
بعد يومين من وصوله إلى دمشق، تقدم البكور باستقالته إلى رئاسة المرحلة الانتقالية، التي رفضت الاستقالة وفق ما ذكرت بعض وسائل الإعلام، بينما تحدثت تقارير أخرى عن أن المحافظ وضع شروطاً للعودة إلى عمله، تتعلق بتوفير ضمانات أمنية وتفعيل سلطة القانون في المحافظة.
الاقتحام المسلح وما تلاه من استقالة، أثارا استياءً واسعاً بين أهالي السويداء، وكذلك داخل المكتب التنفيذي للمحافظة، الذي أصدر بياناً رسمياً أدان فيه الحادثة بشدة. وجاء في البيان: “نحن أعضاء المكتب التنفيذي في السويداء، ندين وبشدّة التصرف غير المسؤول داخل مبنى المحافظة، من قِبَل بعض المسلحين، للضغط على السيد المحافظ بما لا يتوافق مع عادات وأعراف أهل السويداء، والمخالف للقوانين الناظمة”.
وأضاف البيان: “نطالب كل الجهات المسؤولة بأخذ دورها في تفعيل الضابطة العدلية والشرطة، ونهيب بالزعامات الدينية والاجتماعية وقوى المجتمع المدني للتعاضد في مواجهة العابثين بأمن المحافظة وأمانها، ونقدّر الموقف النبيل للدكتور مصطفى البكور باحتواء الموقف بعقلانيته المعهودة”.
اقرأ أيضاً: محافظ السويداء يقدم استقالته إلى الرئاسة السورية – 963+
من يخلف البكور؟
في خضم هذه التطورات، أصدرت وزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية يوم الأحد، قراراً بتعيين العميد أحمد هيثم الدالاتي قائداً للأمن الداخلي في محافظة السويداء. والدالاتي من مواليد 1985، وينحدر من قرية كفير الزيت بمنطقة وادي بردى في ريف دمشق، ودرس في المعهد التقني للحاسوب بجامعة دمشق.
للدالاتي خلفية عسكرية وأمنية، حيث شغل سابقاً منصب نائب القائد العام لحركة “أحرار الشام”، وكان من القيادات المشاركة في عملية “ردع العدوان” العسكرية، التي أسقطت النظام المخلوع في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بحسب ما ورد في المصادر. كما تولى سابقاً منصب معاون محافظ ريف دمشق، ثم محافظ القنيطرة جنوبي غربي البلاد، قبل أن يصدر قرار تعيينه الجديد في السويداء.
وفي تعليقه على استقالة البكور، قال الدكتور جمال الشوفي، الباحث الأكاديمي، لموقع “963+”: “قرار استقالة محافظ السويداء يمكن أن يُقرأ من وجهتي نظر، أحدهما قانوني، وهي أن يقدم مبررات واضحة ومعللة قانونياً. أما الوجهة الأخرى فهي أن هناك من يحاول أن يتبناها أو يراها من جوانب شخصية أو طائفية، موضحاً أنها إذا كانت قد تتجه للتصعيد في السويداء فهي تأتي ضمن وجهة النظر الثانية وغرضها التحريض بعيداً عن منطق الدولة”.
ويتابع الشوفي: “استقالة بكور، بالرغم من كل المبررات وما حاول تقديمه كرجل جاد يمثل الدولة، تبقى ضمن الإطار القانوني، على مبدأ الفعل ورد الفعل، وقد تقبل الرئاسة طلب الاستقالة أو ترفضه”.
اقرأ أيضاً: “مذكرة قبض” بحق مسلحين احتجزوا محافظ السويداء – 963+
ويرى الباحث أن الحل يكمن في تفعيل سلطة الدولة القانونية، “السويداء وغيرها من المحافظات السورية لا يمكن إدارتها بالقوة العسكرية، بل وفقاً للقانون والمرجعيات السياسية والإدارية. حالياً، تُدار السويداء وفق التوازنات العامة المتفاهم عليها، وكان للمحافظ دور كبير في ترسيخ تلك التفاهمات، رغم وجود مجموعات مسلحة خارجة على القانون”.
ويضيف: “قرار استمرار البكور بيده، لكن يمكن أن يعود إذا أُزيلت العثرات التي واجهته، وتم بسط سيادة القانون وتفعيل الضابطة العدلية لملاحقة كل من خالف القانون، بمن فيهم من اعتدى عليه. من الممكن أن يعود مع ضمانات قانونية وأمنية لسلامته واستمرار عمله”.
“البكور فَقَد سلطته بعد الحادثة”
من جانبه، صرح ناجي ملاعب، الباحث في الشؤون الأمنية، لـ”963+”: “الوضع في السويداء مؤسف في ظل انتشار المجموعات الخارجة عن القانون. ما تعرض له البكور أمر مخيب، خاصة أنه معروف بسمعته الطيبة وله فضل في حل النزاعات”.
ويتابع ملاعب: “من المؤسف أن يتم احتجاز المحافظ كرهينة للإفراج عن متهم بسرقة سيارات. من طالب به يكون حكماً خارجاً على القانون. وأعتقد أن قرار البكور بالاستقالة كان حكيماً، لأنه نفذ مطالب جماعة خارجة عن القانون بالإكراه، وبالتالي فإن سلطته التي سيمارسها ضعفت ولن يكون قادراً على متابعة عمله”.
ويقول ملاعب أنه في تقديره لمآلات الوضع: “الأوضاع في السويداء ستهدأ مستقبلاً، خاصة مع إعادة بناء السلطة الجديدة. الوضع السياسي العام سيكون كفيلاً بحل التوترات وبسط سلطة الدولة، لا سيما بعد رفع العقوبات الأميركية والغربية، والدور التركي في تسريع إعادة بناء السلطة”.
اقرأ أيضاً: اشتباكات بين الأمن العام ومسلحين في أشرقية صحنايا بريف دمشق – 963+
ويضيف: “السويداء لا يمكن أن تُدار بالقوة. ربما يساهم الوفاق السياسي في حلحلة الأمور، خصوصاً أن نسبة كبيرة من أبناء السويداء يقفون مع السلطة، ومنهم رجال الكرامة الذين أمنوا خروج المحتجزين مع المحافظ”.
والشهر الماضي، كانت قد شهدت مناطق أخرى ذات غالبية درزية توترات مشابهة، أبرزها جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق الجنوبي، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين عناصر الأمن ومسلحين من خارج البلدتين.
وفي أعقاب تلك الأحداث، أعلنت وزارة الداخلية انتشار عناصر الأمن العام في محيط مدينة جرمانا، في محاولة لاحتواء التصعيد.










