في الوقت الذي ترتفع فيه احتمالات توسيع العمليات العسكرية في قطاع غزة، وتتفاقم المأساة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، تبصر إسرائيل المشهد الأوروبي عبر عدسة الفن والموسيقى، من خلال مشاركتها المثيرة للجدل في مسابقة “يوروفيجن” الغنائية.
ثمة منطق هام ولافت نحو فهم مسار هذه المشاركة يتسق وبنية الاستراتيجية السياسية والثقافية التي تنتهجها إسرائيل منذ نشأتها. كون الانخراط في هكذا فعاليات ليس مجرّد مشاركة على هامش الحدث فقط، بل نقطة داخل ذهنية واسعة تبتغي بالأساس من وراءها تل أبيب إعادة إنتاج صورتها أمام الرأي العام الدولي، والتموضع كدولة حديثة، ديموقراطية، منفتحة على القيم الليبرالية الغربية داخل جغرافيا الشرق الأوسط.
اقرأ أيضاً: الشرع والشيباني يلتقيان برئيس السلطة الفلسطينية – 963+
القوة الناعمة
في هذا السياق، تبدو المسابقة أكبر من فعالية فنية وأعمق من تظاهرة ثقافية، وتقترب من مساحة صراع على صورة ذهنية بملامح محددة تحرص إسرائيل على تثبيتها وتوظيف ذلك لصالحها في مواجهة حملات الهجوم والانتقادات.
نحو ذلك، تعدّدت موجات الرفض والانتقادات، حيث اتّهم بعض النقاد اتحاد البث الأوروبي “بالنفاق” لرفضه استبعاد إسرائيل من المسابقة، بعد أن سبق واستبعد روسيا في عام 2022 عقب غزو أوكرانيا. بينما دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى استبعاد تل أبيب من المشاركة في مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن”، بسبب “المجازر” التي ترتكبها في قطاع غزة.
وقد انطلقت مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن” في شوارع مدينة بازل السويسرية بموكب احتفالي تحت أشعة الشمس، ليبدأ بذلك أسبوع من الاحتفالات قبل الحفلة النهائية. وقد شهدت الفعاليات احتجاجات ضد مشاركة إسرائيل في المسابقة، واستضافت المدينة السويسرية النسخة الـ “69” من أكبر حدث موسيقي يُبث مباشرة على الهواء في العالم، ويتابعه نحو 160 مليون مشاهد.
وتشير الباحثة مريم فرج، في دراسة لها نُشرت بالمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، إلى أن تل أبيب تعتمد على مواجهة هذا الأمر، منذ نشأتها على استراتيجية “القوة الناعمة” في جهودها الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية، بهدف كسب الشرعية الدولية.
إذاً، يبدو واضحاً أن إسرائيل ترتكز على فكرة المشاركة في الأحداث الثقافية والمسابقات الرياضية والفنية، لتضع نفسها دومًا في ركاب الحداثة الغربية، ونمذجة صورة الدولة الحديثة في مقابل ما تقدّمه آلات الإعلام بخصوص الوضع السياسي والعسكري والإنساني في قطاع غزة.
الثقافة لم تعد محصنة
يقول الدكتور طارق معمر، الأكاديمي والباحث في الدراسات الثقافية والاجتماعية، إن مشاركة إسرائيل في مسابقة “يوروفيجن” يثير الكثير من الجدل في ظل الأحداث الجارية في غزة.
ويضيف معمر، الباحث الفلسطيني المقيم في بروكسل، خلال حديثه لـ”963+”، أنه “في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل لتطبيع صورتها عبر الفن والثقافة، يتصاعد الحراك الجماهيري في العواصم الأوروبية رفضاً لهذه المشاركة، ورفضاً لاستخدام المنصات الفنية كأداة دعائية لتجميل صورة الاحتلال”.
ويلفت إلى أن التظاهرات الشعبية التي تجتاح شوارع لندن وباريس وبرلين ومدريد وروما وبروكسل وغيرها من العواصم الأوروبية تعبّر عن رفض عميق لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل، وتؤكد على دور متصاعد للرأي العام في التأثير على السياسات الرسمية. حيث أن هذا الحراك لم يعد مجرد فعل احتجاجي، بل تحوّل إلى أداة ضغط شعبية وديبلوماسية موازية تتحدى تواطؤ الصمت الدولي، وتفرض نفسها كلاعب جديد في العلاقات الدولية.
ويأتي ذلك ضمن إطار المقاطعة الثقافية الواسعة التي تشهدها الجامعات والمنصات الفنية، وعلى رأسها الدعوات المتزايدة لإقصاء “كيان الإبادة” من المشاركة في “يوروفيجن”، وهي فعالية تثار حولها هذه الإشكالية كل عام، لكنها اليوم تأتي في سياق أكثر حدة وتأثيراً.
وينوه الباحث الفلسطيني، إلى أن “الثقافة لم تعد محصّنة من المحاسبة، بل أصبحت ساحة مواجهة بين روايتين: رواية تسعى إلى تبييض جرائم الاحتلال وتقديمه كدولة طبيعية، وأخرى تعبّر عن ضمير الشعوب وترفض تحويل الفن إلى غطاء للتطبيع”.
ويشدد معمر على “أن مشاركة إسرائيل، في ظل مشاهد الدمار والقتل اليومي في غزة، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي، بل تدخل ضمن محاولة متعمدة لإعادة إنتاج صورة الاحتلال بوسائل ناعمة”.
ويوضح أن “ما نراه اليوم من عزلة متزايدة تواجهها إسرائيل في الوجدان الشعبي الأوروبي ليس عابراً، بل هو تعبير عن رفض أخلاقي عابر للحدود، يُحرج المؤسسات الرسمية، ويضعها أمام اختبار واضح: الانصياع لمطالب شعوبها أو الاستمرار في دعم كيان يرتكب جرائم موثقة ضد الإنسانية”، مشيراً إلى أن الصراع في الوقت الحالي تجاوز الميدان العسكري، وامتد إلى المسارح، والمعارض، والمهرجانات.
اقرأ أيضاً: بن زايد لروبيو: نرفض تهجير الفلسطينيين ونؤكد على حل الدولتين – 963+
موقف أوروبي
وقال مارتن غرين، مدير مسابقة يوروفيجن، إن المسابقة يمكن أن تروج للتواصل رغم الاضطرابات السياسية وتكون “لحظة فرح وهروب من الواقع”.
وأضاف في حديث لوكالة رويترز، “آمل أن تحقق يوروفيجن هذا العام ما فعلته طوال 69 عاماً، وهو إثبات أن الموسيقى قادرة على جمعنا”. وتابع: “قد يبدو هذا مبتذلاً بعض الشيء، لكنه جوهر المسابقة”.
بدوره، يشير السياسي البلجيكي ليدو عن جمعية التضامن الأوروبية في تصريحات لـ “963+”، أنه ثمة ضرورة لوجود موقف أوروبي حقيقي، يتجسد أولًا في عدم اعتماد مبدأ “التبييض الثقافي” عبر المحافل الفنية والثقافية والأكاديمية.
ويضيف: “المقاطعة ليست فقط أداة سلمية فعّالة، بل واجب أخلاقي، ورسالة واضحة بأن أوروبا لا يمكن أن تكون شريكة في هذا الظلم، إذ نوجّه نداءنا إلى مؤسسات المجتمع المدني، إلى الفنانين، إلى المثقفين: لا تسمحوا بأن يُستخدم الفن والثقافة كغطاء لجرائم الحرب. لا تعطوا الشرعية لمن ينتهك حياة الإنسان تحت شعار الفن أو التعددية”.
ويتابع: “اليوم وأكثر من أي وقت مضى، يجب أن نعزز حملة المقاطعة، ونحرّر الفعل الثقافي من أي توظيف سياسي أو دعائي، ونعيد الاعتبار لقيم التضامن الإنساني”.










