على بعد أمتار قليلة من نهر الفرات، يقف قصي الرافع، موظف حكومي في الأربعين من عمره، متأملاً المياه التي تجري أمام منزله في حي الحميدية بمدينة دير الزور، ولكنها لا تصل إليه، لا بل تحولت إلى مصدر قلق وخطر دائم على صحة عائلته. يقول قصي بمرارة لموقع “963+”: “رغم أن النهر يمر من أمامنا، إلا أن مياهه لا تصلنا إلا ملوثة. لا نشربها بثقة، بل بخوف. تلوث كبير بالصرف الصحي والنفط والنفايات، والمياه النظيفة باتت ترفًا لا نملكه”.
قصة قصي تلخص حال آلاف الأسر في دير الزور، حيث تحوّلت المياه من حق إنساني أساسي إلى سلعة نادرة، ومن مورد طبيعي إلى عامل تهديد صحي واجتماعي. فالمحافظة، التي كانت يوماً خزاناً زراعياً ومائياً لسوريا، تعيش اليوم واحدة من أسوأ أزماتها الخدمية، وسط انهيار في البنية التحتية، وتلوث في مصادر المياه، وتراجع في الاستجابة الحكومية والدولية.
اقرأ أيضاً: أزمة النقل النهري في دير الزور: مأساة مستمرة على ضفاف الفرات – 963+
بنية تحتية مدمرة ومحطات خارج الخدمة
تعاني محافظة دير الزور شرقي سوريا، من تدهور كارثي في قطاع المياه، نتيجة سنوات من القصف والتدمير والنزاعات المسلحة التي استخدمت خلالها محطات المياه كمواقع عسكرية.
ووفقاً لما أكده تركي السالم، مسؤول قسم الصيانة في وحدة المياه بالمحافظة، فإن أكثر من %80 من محطات المياه باتت خارج الخدمة بشكل كامل، مشيراً إلى أن “الشبكات مهترئة، والمعدات غير متوفرة، وعمليات الإصلاح تتطلب ملايين الدولارات”.
ويوضح السالم في تصريحات لـ”963+” أن “9 محطات فقط تعمل بشكل جزئي أو بنصف طاقتها، فيما بقيت 3 محطات قيد الصيانة دون إنجاز فعلي منذ أكثر من عام، أما 17 محطة رئيسية فمتوقفة تماماً، معظمها تقع على ضفاف نهر الفرات، حيث حوّلتها الفصائل المسلحة إلى نقاط تمركز عسكري خلال سنوات الحرب، ما عرضها للدمار الكامل”.
والمشكلة لا تقتصر على انقطاع المياه فحسب، بل تشمل أيضاً تدهور نوعيتها. ففي العديد من المناطق، تصل المياه إلى السكان عبر الشبكة، ولكنها غير صالحة للاستخدام البشري.
ويقول السالم: “نسبة كبيرة من المياه المتوفرة الآن ملوثة بالصرف الصحي أو المواد البترولية الناتجة عن التسربات والتهريب، ونحن غير قادرين على تنقيتها بالشكل الكافي بسبب نقص المحروقات والتقنيات الحديثة”.
اقرأ أيضاً: منسوب الفرات يتراجع: أزمة بيئية واقتصادية تهدد حياة الملايين – 963+
شهادات من عمق المعاناة
في مدينة الميادين، بريف دير الزور الشرقي، يروي محمد الأحمد، وهو أب لثلاثة أطفال، تفاصيل قاسية عن يوميات التعامل مع أزمة المياه: “المياه التي تصلنا عبر الحنفيات لا تُستخدم حتى لغسيل الصحون. نشتري المياه من السوق، لكنها غالية الثمن، وفي كثير من الأحيان لا نثق بمصدرها. نصفي الماء في المنزل بطرق بدائية: نغليه، نتركه يركد، أو نمرره على فلاتر محلية الصنع، ومع ذلك، يصاب أطفالي بأمراض متكررة”.
ويضيف الأحمد لـ”963+”: “زوجتي تقضي وقتاً طويلاً يومياً في محاولة تعقيم المياه بطرق غذائية بسيطة، وهذا يؤثر على حياتنا كلها. لا وقت كافٍ للعمل، لا بيئة صحية للأطفال، ولا أمل قريب في تحسن الأوضاع رغم كثرة الوعود”.
تلوث الفرات… من شريان حياة إلى مصدر للأمراض
في تصريح لـ”963+”، يقول عويدة الجمال، المسؤول في مكتب البيئة بدير الزور، إن ما يجري في نهر الفرات هو “كارثة بيئية تهدد حاضر ومستقبل المحافظة”.
ويشرح: “التلوث في النهر سببه عدة عوامل مترابطة: الصرف الصحي غير المعالج يُفرغ مباشرة في مجرى النهر، وهناك تسربات نفطية من عمليات التهريب، بالإضافة إلى رمي النفايات المنزلية والصناعية بشكل عشوائي”.
ويحذر الجمال من أن استمرار هذا التلوث يهدد بكارثة صحية واسعة النطاق: “النساء والأطفال هم الأكثر تضررًا. سُجلت زيادة ملحوظة في حالات الإسهال والتسمم، كما نواجه ارتفاعاً في أمراض الكبد والتهابات المعدة والجلد. ضعف المناعة عند الأطفال يجعلهم عرضة لكل ذلك، ومع غياب الرعاية الصحية الكافية، تتحول هذه الأمراض إلى مزمنة وخطيرة”.
وتدعم ذلك بيانات مديرية الصحة في دير الزور، التي تؤكد تسجيل أكثر من 130 حالة مرضية شهرياً مرتبطة مباشرة بتلوث المياه، معظمها في مدن دير الزور والبوكمال والميادين، باستثناء حالات الريف التي لا تصل جميعها إلى المرافق الصحية.
اقرأ أيضاً: مياه الفرات وصلت إلى الحسكة.. هل ستغني محطة العزيزية عن علوك؟ – 963+
استجابة محدودة ومناشدات للتعاون
في ظل هذا الواقع، تبذل وحدات المياه المحلية جهوداً محدودة لإعادة تأهيل بعض المحطات، ولكن الإمكانات المتوفرة لا ترقى إلى حجم الكارثة. يقول خالد النجرس، مسؤول في وحدة المياه: “نحاول بجهد شخصي ومحدود إصلاح بعض الخطوط، وإعادة تشغيل مضخات بسيطة، لكننا بحاجة إلى دعم مالي وتقني من الدولة والمنظمات. نحن لسنا بعيدين عن معاناة الناس، ونشعر بألمهم يومياً، لكن لا يمكننا العمل دون إمكانات”.
ويضيف النجرس دعوة صريحة للمجتمع المحلي: “يجب أن نعمل معًا. لا يكفي المطالبة بالخدمات، بل يجب الحفاظ على النهر، وقف رمي النفايات، ومعالجة مصادر التلوث. نهر الفرات ليس مجرى مائي فقط، إنه أساس الحياة هنا، وعلينا حمايته”.
مقترحات للحل: بين الممكن والمطلوب
رغم ضخامة التحدي، يرى المتخصصون أن هناك خطوات عاجلة يمكن اتخاذها لتخفيف الأزمة، ريثما تُستكمل خطط الإعمار: “توزيع المياه النقية عبر صهاريج منظمة ومنظمة، بالتعاون مع الجهات الإنسانية. إنشاء محطات تنقية مؤقتة ومتحركة في المناطق الأكثر تضرراً. تنظيم حملات توعية صحية لتعليم السكان كيفية معالجة المياه منزليًا باستخدام وسائل بسيطة. تفعيل برامج دعم وتمويل دولي لإعادة تأهيل المحطات والشبكات، وربطها بمصادر طاقة بديلة لتقليل الاعتماد على الكهرباء التقليدية. مكافحة التلوث عبر قوانين محلية وحملات رقابية لمنع رمي النفايات والتسربات النفطية”.
ورغم العجز الواضح في الاستجابة، يستمر سكان دير الزور في التمسك بالحياة، في مواجهة يومية مع العطش والخوف. يقول قصي الرافع في ختام حديثه: “أطفالنا يشربون من نهرٍ مريض، من ماءٍ فيه مرض وخطر. نريد فقط حقنا في الماء النظيف، لا أكثر. هذه ليست رفاهية، هذه أبسط حقوقنا”.










