في ظل تصاعد مؤشرات التغير المناخي والضغوط السياسية المتزايدة على الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط، يشهد شمال شرقي سوريا أزمة مائية متفاقمة تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي، البيئي، والإنساني في المنطقة. مع استمرار انخفاض منسوب نهر الفرات إلى مستويات خطيرة، أصبح الوضع أكثر من مجرد أزمة عابرة، بل هو تهديد مباشر يمس استقرار المنطقة بأبعادها المختلفة.
منسوب المياه في الفرات: انخفاض حاد ومؤشرات خطيرة
تواجه سوريا واحدة من أسوأ الأزمات المائية في تاريخها الحديث، حيث وصل منسوب المياه في نهر الفرات إلى مستويات غير مسبوقة. بحسب بيانات “الإدارة العامة للسدود” التابعة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، انخفض منسوب المياه الواردة من النهر إلى أقل من 200 متر مكعب في الثانية، وهو ما يشكل تراجعاً كبيراً عن الكمية المتفق عليها في الاتفاق بين سوريا وتركيا عام 1987، والتي كانت تضمن ضخ 500 متر مكعب في الثانية من المياه إلى الأراضي السورية.
ويعد هذا الانخفاض الحاد في المياه مؤشراً خطيراً على تأثير الأزمة، إذ يؤثر بشكل مباشر على قدرة السدود الكبرى في المنطقة على توليد الكهرباء. فقد تم تخفيض الإنتاج في سد الفرات إلى ساعتين يومياً فقط من الكهرباء، بينما توقفت السدود الأخرى مثل سدي تشرين والبعث عن العمل بشكل شبه كامل.
اقرأ أيضاً: تركيا مع الجفاف والحرب.. مياه السوريين في خطر – 963+
أسباب الأزمة: السياسة والمناخ يلعبان دوراً رئيسياً
تتعدد أسباب أزمة نهر الفرات، إذ تشمل أسباباً سياسية وبيئية تؤثر بشكل متداخل على الوضع المائي في المنطقة. من جهة، تتهم “الإدارة الذاتية” تركيا بتقليص حصة سوريا من المياه بشكل متعمد، مما يفاقم من حدة الأزمة. ويستند هذا الاتهام إلى تقارير من لجان مراقبة الأنهار الدولية التي أكدت انخفاض التدفق المائي بنسبة تتجاوز 60% مقارنةً بالمعدل الطبيعي في الفترة الأخيرة.
وتبرر تركيا هذا الانخفاض بتأثيرات التغير المناخي وتراجع معدلات الأمطار والثلوج خلال الشتاء الماضي، إلا أن الكثير من الخبراء المستقلين والمنظمات الدولية يرون أن تركيا تتحكم بشكل مباشر في منسوب المياه من خلال سدودها الضخمة مثل سد أتاتورك وسد بيراجيك، مما يجعلها قادرة على التلاعب في الكميات المتدفقة من المياه عبر الحدود وفق حسابات سياسية واستراتيجية.
الأمن الغذائي مهدد
أدت أزمة انخفاض منسوب المياه إلى تقليص حاد في الأراضي الزراعية المروية بواسطة مياه الفرات. فالمناطق الشرقية من سوريا، وبخاصة محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، تعتبر من أكبر المناطق الزراعية في البلاد، حيث يعتمد المزارعون بشكل رئيسي على نهر الفرات لري المحاصيل الزراعية مثل القمح والشعير والقطن.
إلا أن تقريراً صدر عن “لجنة الزراعة والري في الإدارة الذاتية” كشف أن نسبة الأراضي المزروعة هذا العام انخفضت بنسبة 37% مقارنة بالموسم السابق، مع تزايد الأراضي البور وتملح التربة في بعض المناطق.
كما أدى انخفاض منسوب المياه إلى تعطيل قنوات الري التقليدية، مما أثر بشكل كبير على إنتاج المحاصيل الزراعية. ويضاف إلى ذلك أن تراجع المخزون المائي في السدود أدى إلى زيادة صعوبة توفير الكهرباء اللازمة للمناطق الزراعية والصناعية، ما فاقم من الأزمة الاقتصادية في المنطقة، خصوصاً مع استمرار انقطاع الكهرباء لساعات طويلة يومياً.
اقرأ أيضاً: مياه الفرات وصلت إلى الحسكة.. هل ستغني محطة العزيزية عن علوك؟ – 963+
أضرار متزايدة على الحياة الطبيعية
إلى جانب التأثيرات الاقتصادية، يهدد انخفاض منسوب نهر الفرات التنوع البيئي في المنطقة بشكل خطير. فقد بدأت بعض أنواع الأسماك بالانقراض نتيجة الجفاف في مجاري النهر، وتدهورت الحياة النباتية على ضفتيه.
كما أدت حالة الجفاف في بعض الفروع والبحيرات إلى انتشار روائح كريهة وزيادة انتشار الحشرات والبعوض، مما يزيد من خطر انتشار الأوبئة والأمراض الجلدية والتنفسية، خصوصًا في المخيمات العشوائية التي تعتمد على النهر كمصدر رئيسي لمياه الشرب والغسيل.
وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن تدهور جودة المياه بفعل انخفاض التدفق وزيادة تراكم الملوثات يهدد الصحة العامة بشكل كبير، حيث يعاني العديد من سكان المنطقة من الأمراض المرتبطة بالمياه مثل الكوليرا وحمى التيفوئيد، مما يرفع من حجم الكارثة الصحية في المنطقة.
تفاقم أزمة الهجرة
أدت الأزمة المائية إلى تفاقم حركة النزوح الداخلي في سوريا. فقد لجأت عشرات العائلات من المناطق المتضررة من انخفاض منسوب المياه، مثل القرى الواقعة على ضفاف نهر الفرات، إلى المدن الكبرى أو المناطق التي لا تزال توفر مصادر بديلة للمياه والكهرباء.
وتظهر التقارير المحلية أن بعض القرى في ريف الرقة قد أصبحت شبه خالية من السكان، حيث يضطر الأهالي للنزوح بسبب “عطشهم” بعد أن فقدوا إمكانية الوصول إلى المياه الصالحة للشرب.
وأمس الأربعاء، أصدرت إدارة السدود في الإدارة الذاتية بياناً تحذيرياً يشير إلى انخفاض خطير في منسوب بحيرة سد الفرات، حيث بلغ مستوى المياه 298.32 مترًا فوق سطح البحر، أي بانخفاض يتجاوز 5.5 أمتار عن المستوى الطبيعي، مما أدى إلى نقص في المخزون المائي بلغ 4 مليارات متر مكعب.
وأشارت الهيئة إلى أن استمرار هذا الانخفاض بنفس الوتيرة قد يؤدي إلى خروج السد من الخدمة في غضون أسابيع، مما سيؤدي إلى تدمير الزراعة وتدهور إمدادات الكهرباء ومياه الشرب في المنطقة.
وقبله بيوم، كان قد حذّر عماد عبيد، إداري في إدارة السدود بالإدارة الذاتية، من المخاطر الكبيرة الناجمة عن انخفاض منسوب سد الفرات، مشيراً إلى أن الوارد المائي بات نحو 250 متر مكعب في الثانية فقط.
اقرأ أيضاً: مفتاح شرق الفرات.. لماذا تستميت تركيا على سد تشرين؟ – 963+
تطورات تاريخية في منسوب الفرات (2000–2025)
منذ بداية الألفية، تباينت تدفقات مياه نهر الفرات تبعًا لموجات جفاف وموسمية الأمطار. ولكن، من عام 2011 وحتى 2019، بدأت الأزمة تتفاقم مع اندلاع الحرب الأهلية السورية. استمر الوضع في التدهور، حيث سجل عام 2021 أدنى مستوى في تاريخ منسوب النهر، مع انخفاض بلغ خمسة أمتار مقارنة بالعام السابق.
في 14 كانون الثاني/ يناير 2021، أعلن المجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية، عن بدء “مشروع استجرار مياه الفرات” إلى مدينة الحسكة كحل إسعافي لتعويض انقطاع مياه محطة علوك التي كانت تحت سيطرة تركيا.
وبعده بأشهر، أصدرت الإدارة العامة للسدود بياناً يدين ممارسات تركيا في خفض واردات المياه، ووصفها بأنها “انتهاك للقانون الإنساني الدولي”.
أزمة مائية تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً
تعتبر العديد من مديريات شؤون البيئة والمياه أن استمرار تركيا في تقليص حصة سوريا من المياه يمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدام غير الملاحِي للمجاري المائية الدولية.
وفي هذا السياق، تطالب هذه الجهات بتفعيل آليات المراقبة الدولية وإشراك الأمم المتحدة في الإشراف على تقاسم الموارد المائية في مناطق النزاع.
من ناحية أخرى، يعتقد العديد من الخبراء الاقتصاديين أن استمرار انخفاض منسوب المياه في نهر الفرات يمثل تهديداً خطيراً للاستقرار الاقتصادي في المنطقة، حيث من المتوقع أن يتراجع الإنتاج الزراعي، مما يزيد من التبعية الغذائية ويعرض شرائح كبيرة من السكان للفقر المدقع. ويتوقع هؤلاء الخبراء أن يؤدي ذلك إلى انخفاض حاد في سلة الغذاء المحلية في السنوات المقبلة.










