منذ سقوط النظام السوري ودخول البلاد في مرحلة انتقالية، تعيش الأوساط الثقافية السورية حالة من الترقب الحذر، وسط أسئلة جوهرية عن مصير الإبداع، ومكانة الثقافة في سوريا الجديدة، في ظل غياب وزارة الثقافة عن التشكيلة الوزارية للحكومة المؤقتة، وتوقف شبه تام للأنشطة الثقافية الرسمية في العاصمة دمشق.
وحتى المناسبات الكبرى التي اعتادت دمشق الاحتفاء بها، كمثل “اليوم العالمي للمسرح”، مرّت هذا العام بصمت تام، دون أي فعالية رسمية أو مجتمعية، ما ترك انطباعاً عاماً بأن الثقافة لم تعد ضمن أولويات السلطة الانتقالية.
وقد زاد من هذا الانطباع الخطاب المقتضب لوزير الثقافة في الحكومة المؤقتة، والذي حدّد فيه بوصلة العمل الثقافي باتجاهين رئيسيين: أولاً، تفكيك المنظومة الثقافية التي أرساها النظام البائد، وثانياً، ربط الثقافة بالحاجات المجتمعية الملحّة، مؤكداً أن “الترف الفكري لا مكان له الآن”.
اقرأ أيضاً: إعادة إعمار القطاع الثقافي في سوريا: استثمار في الهوية وجسر نحو المستقبل – 963+
الرقص مستمر… رغم المخاوف
من بين أبرز الأحاديث التي أثارت جدلاً في الوسط الفني مؤخراً، ما تردد عن إغلاق قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية، وهي شائعات سارع الفنان نورس عثمان، رئيس القسم، إلى نفيها جملة وتفصيلاً في تصريحات خاصة للعدد السابع من صحيفة “963+”، قائلاً: “كلّفت برئاسة قسم الرقص في أيلول/ سبتمبر 2024، ولم يصدر أي قرار بإغلاق القسم، بل على العكس تمامًا، نعمل على استئناف نشاطاتنا تدريجيًا بعد توقف مؤقت شمل جميع قطاعات الحياة إثر لحظة التحرير”.
وأوضح عثمان أن توقف الفعاليات لم يكن خاصاً بقسمه، بل كان رد فعل جماعي نتيجة ما وصفه بـ”مخاوف مشروعة” من الأهالي: “بعد أكثر من 54 عاماً من الحكم بنظام شمولي معروف للجميع، من الطبيعي أن يشعر الناس بالخوف من القادم المجهول. توقفنا لمدة أسبوع، وهذا كان كافيًا لإعادة التقييم والتهيئة النفسية”.
وأبرز ما عبّر عنه عثمان من قلق كان مرتبطاً بسؤال جوهري شغل أذهان العاملين في الحقل الفني: “تساؤلنا الأهم كان: هل ستتقبّل المنظومة الجديدة هذا النوع من الفنون؟ الرقص ليس فناً سهل التلقي، من الرقص الشعبي والفلكلوري إلى الرقص الحديث والمعاصر، كلها أنماط غير مألوفة لجزء كبير من مجتمعنا، وحتى في ظل النظام السابق، عانينا من صعوبة تقبّل الجمهور لهذا الفن، فما بالك اليوم ونحن نبدأ من نقطة الصفر؟”
ورغم كل ذلك، يشير عثمان إلى أن العمل مستمر، وإن بوتيرة بطيئة، قائلاً: “نتقدم خطوة بخطوة نحو إعادة بناء علاقة صحية بين الجمهور وهذا الفن. وحتى الآن، ما زال الرقص فناً نخبوياً، لكنه يحتفظ بقدرته على التأثير، ونحن نأمل أن يتحول إلى حالة مجتمعية أوسع”.
اقرأ أيضاً: جائزة للسينما السورية في مهرجان “سوسة” – 963+
الرقابة كانت بالمرصاد… لكننا تحايلنا عليها
وفي معرض حديثه عن فترة ما قبل سقوط النظام، كشف عثمان كيف تعامل قسم الرقص مع الرقابة الصارمة المفروضة على العروض الفنية: “الرقابة كانت حاضرة في كل تفاصيل العرض، لكن في كثير من الأحيان كنا نلجأ إلى التحايل الذكي لتجاوزها. في عرض ‘في الصندوق’ الذي قدمته عام 2023، كنت أطرح رؤية رمزية لسقوط النظام، لكن لأن العرض لم يتضمن كلمات منطوقة، تم تمريره بسهولة نسبياً”.
وأضاف: “حين كان يُطلب منا تقديم ملخص أو شرح للعمل، كنا نكتب شيئاً مختلفاً كلياً عن الفكرة الأساسية حتى نحصل على الموافقة. لم تكن حرية التعبير متاحة، فاضطررنا للبحث عن مساحات بين السطور”.
وضوح جزئي… ولا نفور من الفن
وحول تقييمه للمشهد الثقافي الحالي، قال عثمان: “بدأنا نلمس نوعاً من الوضوح، لا يمكن القول إن الأمور أصبحت مستقرة تماماً، لكن هناك انفتاح نسبي. لا يوجد نفور من الفن، والرقص تحديداً، كما كنا نتخوف. المشكلة الآن تكمن في الحدود غير المعلنة التي قد تُفرض على الإبداع”.
ويضيف بتفاؤل مشوب بالحذر: “الإيجابي في الوضع الحالي هو أننا أصبحنا قادرين على استضافة فنانين سوريين كانوا في الخارج، لم يتمكنوا من العودة سابقاً بسبب سياسات النظام السابق. أقمنا مؤخراً ورشات عمل بالتعاون مع راقصين ومدربين أجانب، وهذا مؤشر جيد على انفتاح قادم نأمل أن يتوسع”.
اقرأ أيضاً: محمد طه عثمان مسيراً لأعمال اتحاد الكتّاب العرب في سوريا – 963+
السينما السورية: إخفاقات متراكمة ومؤشرات خجولة
أما السينما السورية، فقد كانت لعقود تعاني من عثرات متكررة، بحسب ما أكده المخرج والكاتب نضال قوشحة، مدير المكتب الإعلامي في المؤسسة العامة للسينما، في حديثه للعدد السابع من صحيفة “963+”.
ومنذ انطلاقتها قبل أكثر من مئة عام، لم تنجح السينما السورية في تأسيس نفسها كصناعة راسخة. البداية كانت بجهود نخبة من المنتجين والفنانين مثل تحسين بيك القوادري، ونادر بيك الأتاسي، ومعهم نهاد قلعي ودريد لحام، الذين صنعوا علامة فارقة في فيلم ‘عقد اللولو’ عام 1964.
وأضاف: “المرحلة الحاسمة جاءت مع دخول القطاع الحكومي على خط الإنتاج من خلال المؤسسة العامة للسينما، وأنتجت أول فيلم روائي طويل عام 1968. لكن مع نهاية الثمانينيات، بدأ التراجع، حتى وصلنا في بعض السنوات إلى إنتاج صفر أفلام”.
وأكد قوشحة أن هذا التراجع لم يكن فقط بسبب ضعف الإمكانيات، بل أيضاً نتيجة غياب الرؤية الثقافية لدى الدولة، معتبراً أن الثقافة ككل كانت “في حالة ركام بالماضي”.
غموض المشهد… وتطمينات السلطة الجديدة
ورغم الغموض الذي يخيّم على جميع مناحي الحياة في سوريا، يرى قوشحة أن هناك بوادر مشجعة: “الوضع العام لا يزال ضبابياً، وليس في الثقافة وحدها، لكن ما يُطمئن هو استمرار وجود وزارة الثقافة كمؤسسة قائمة، بعد أن كانت هناك مقترحات لدمجها بوزارة السياحة أو تحويلها إلى هيئة. بقاء الوزارة كما هي يعني أن هناك إدراكًا رسميًا لأهمية الثقافة”.
وختم حديثه بنبرة تفاؤلية: “حجم الارتباك الحالي مفهوم، فالتغيرات الكبرى دائمًا ما تكون مصحوبة بارتدادات عشوائية. لكنني أرى أن الأمور تتجه نحو الأفضل، وآمل أن يكون المستقبل السينمائي بحجم تطلعاتنا كسينمائيين”.
عدالة انتقالية ثقافية: نحو عقد جديد بلا إقصاء
من جانبه، يقدّم الكاتب والناقد بديع صنيج قراءة عميقة للمشهد الثقافي الراهن، محذراً من خطورة المرحلة ومطالبًا بثقافة تنويرية تأسس لمرحلة ما بعد النظام، حيث قال لـ”963+”: “ما شهدناه سابقاً لم يكن أكثر من مبادرات فردية متفرقة، بلا مشروع ثقافي حقيقي للدولة. واليوم، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى رؤية واضحة، لا تشوبها الضبابية التي تهيمن على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي”.
ويضيف: “الثقافة يجب أن تنهض من تحت الرماد، وأن تعيد قراءة الزمن الراهن بوعي عميق قادر على بناء منظومة ثقافية تلتقط تعقيدات الواقع، وتمنح الجميع مساحة للتعبير دون إقصاء أو تهميش”.
ويرى صنيج أن المهمة الأساسية اليوم هي تحقيق ما يسميه “عدالة انتقالية ثقافية”، ويشرح فكرته بقوله: “نحن بحاجة لعقد ثقافي جامع، لا يقوم على تكرار آليات النظام القديم في الإقصاء، بل على تمكين كل الأصوات من التعبير بحرية، مع التأكيد على قيم الوئام الاجتماعي والتعدد والانفتاح. على الثقافة أن تكون خط الدفاع الأول في مواجهة التشرذم الذي نخرت جذوره كل طبقات المجتمع السوري”.










