يقف فادي أبو الخير (50عاماً) وهو مزارع من ريف إدلب الجنوبي، أمام أرضه عاجزاً، بعد أن حولتها قوات النظام المخلوع إلى جذوع مقطوعة وأغصان متناثرة نتيجة عمليات الاحتطاب وقطع الأشجار التي طالت آلاف الهكتارات من أراضي محافظتي إدلب وحماة شمالي سوريا.
“كأنهم قطعوا شريان قلبي” يقول أبو الخير في العدد السادس من صحيفة “963+”، في إشارة منه إلى حجم الكارثة التي حولت أرضه التي كانت تحتوي على أكثر من 150 شجرة زيتون وفستق حلبي نمت على مدى عقود، إلى مجرد جذوع يابسة لا تصلح سوى للحرق والتحطيب.
ويضيف: “هذه الأشجار زرعها أبي وجدي، كانوا يعيشون منها، ونحن كذلك، لكنني اليوم لم أعد أمتلك أي مصدر رزق يؤمن لي أدنى مستلزماتي المعيشية، بعد أن فقدت أشجاري التي تحتاج إلى سنوات لتعود من جديد.”
وأشار إلى أن “أشجار الزيتون، التين، والفستق الحلبي، تشكل العمود الفقري للاقتصاد الزراعي في محافظة إدلب، حيث أصبحت هدفاً للتقطيع، إما لأغراض تجارية تتعلق ببيع الحطب، أو كوسيلة سابقة للانتقام من المدنيين والسكان الذين رفضوا البقاء تحت سيطرة النظام السابق”.
اقرأ أيضاً: الزراعة في سوريا: كيف تستعيد مجدها؟ – 963+
عمليات قطع منظمة
ومنذ سيطرة قوات النظام المخلوع على أجزاء واسعة من ريفي إدلب وحماة في العام 2019، تحولت آلاف الهكتارات من بساتين الزيتون والتين والفستق الحلبي إلى أراضٍ قاحلة، بعد عمليات قطع منظمة طالت الأشجار المثمرة التي شكلت لسنوات مصدر رزق لآلاف العائلات.
وبينما كان مصطفى الصالح (45 عاماً) ينتظر عودته إلى مدينة كفرنبل جنوب إدلب، لجني محصول الزيتون، كانت الجرافات التابعة لقوات النظام المخلوع تجرف أحلامه مع جذور أشجاره، لتتحول أرضه إلى أرض “جرداء قاحلة” بعد أن كانت تتغنى بمواسمها الوفيرة وإنتاجها المميز.
وقاتل مصطفى في العدد السادس من صحيفة “963+”، إن “ما فعلته فصائل تابعة للنظام كان جريمة منظمة لقتل الإنسان والأرض معاً، خاصة وأنهم اقتلعوا الأشجار من جذورها لضمان عدم نموها مجدداً، وبالتالي سيضطر الفلاح لزراعة غرسات جديدة تحتاج لأكثر من 10 سنوات حتى تبدأ بإنتاج المحصول”.
وأضاف أن قطع أشجار الزيتون والفستق الحلبي لا يعني فقط خسارة موسم، بل خسارة عقود من الجهد والعناية، إذ أن هذه الأشجار تحتاج لسنوات طويلة حتى تنتج، وبعضها يُعتبر إرثًا زراعياً متجذراً منذ أجيال.
وأشار إلى أن معظم المزارعين استغنوا عن زراعة أشجار الزيتون والفستق الحلبي التي تحتاج لفترة زمنية طويلة للإنتاج، وباتوا يعتمدون على زراعة شجرة التين التي يبدأ إنتاجها بعد ثلاث سنوات، وذلك بسبب حاجة الفلاحين لمردود ومدخول مادي سريع، يجنبهم البطالة والفقر المدقع.
اقرأ أيضاً: وزير الزراعة يعقد اجتماعاً لمناقشة تحديات القطاع الزراعي في درعا – 963+
إحصائيات خطيرة
ووفقاً لإحصائيات محلية، فإن ما يقارب 90٪ من بساتين وحقول محافظتي إدلب وحماة، تم قطعها وبيعها كحطب في الأسواق، في حين نجت النسبة المتبقية نتيجة وقوعها على خطوط التماس، وما يزال القسم الأكبر منها اليوم مزروعاً بالألغام ما يحول دون الوصول إليها.
وتحولت أراضي وبساتين في قرى مثل حاس، معرة حرمة، كفرنبودة، ومورك التي عمرها عشرات السنين إلى أكوام من الحطب المحروق أو الأخشاب المعدة للنقل، وهو ما يوضحه المزارع يحيى الأحمد (55 عاماً) من ريف حماة فيقول لـ “963+”، “لم يكتفوا بطردنا من أرضنا، بل دمروا كل ما يربطنا بها، الأشجار التي ورثناها عن آبائنا بيعت حطباً في أسواق عدة محافظات سورية.”
ويضيف أن محاصيل الزيتون والفستق الحلبي كانت تُصدّر إلى أوروبا وتركيا، وتدر على أصحابها أرباحاً جيدة، أما اليوم فإن هذه الأراضي لم تعد صالحة للزراعة بسبب حرقها المتكرر من قبل عناصر وميليشيات النظام المخلوع، إذ أن عملية استصلاح هذه الأراضي تحتاج إلى سنوات طويلة ومبالغ مالية كبيرة.
ويشير” كنا توقعنا أن تهدم بيوتنا وتسرق محاصيل أراضينا، إلا أننا لم نتوقع أن يتم اقتلاع أشجارها من الجذور، إذ أنها تمثل تاريخ المدن والبلدات، وعملية قطعها طمست معالم المنطقة وتراثها القديم والأخضر”.
ويرى المهندس الزراعي سلطان الدبيبي أن الوضع الزراعي المتدهور في شمال غربي سوريا بحاجة للاعتماد على أساليب وأساسيات الزراعة الحديثة لتجنب وتلافي الآثار الخطيرة على القطاع الزراعي بشكل عام والمزارعين على وجه الخصوص.
وبحسب الدبيبي فإن وقوع منطقة شمال غربي سوريا ضمن منطقة الاستقرار المناخي، يساعدها على زراعة أصناف وأنواع متعددة من الأشجار والمحاصيل، مثل اللوزيات والكرز والتفاح، وهي أنواع سريعة العطاء والإنتاج، في محاولة لتغيير أنماط الزراعة التقليدية التي تحتاج لفترات زمنية كبيرة وجهد مضاعف كتلك التي اعتاد الفلاح على زراعتها.
ويضيف الدبيبي في حديثه لعدد السادس من صحيفة “963+”، أنه من الضروري تقديم جلسات توعوية وتعليمية حديثة للمزارعين، لمواكبة أصول التطور الزراعي في الوقت الذي هم بحاجة ماسة إليه من أي وقت مضى.
اقرأ أيضاً: الدونم 15 مليوناً.. ارتفاع كبير بتكاليف زراعة الخضروات بسوريا – 963+
ثروة وطنية
وتشير إحصائيات غير رسمية إلى أن إدلب وحدها تمتلك نحو ١٤ مليون شجرة زيتون موزعة على مساحة زراعية تقدر بنحو ١٣٠ ألف هكتار تشمل الأراضي الزراعية المروية والبعلية، حيث تحتل المرتبة الثانية في سوريا بعد محافظة حلب بزراعة أشجار الزيتون.
ويقول الباحث في شؤون الزراعة محمد اليوسف لـ”963+”، “نحن لا نتحدث فقط عن أشجار، بل عن ثروة وطنية عمرها عشرات السنين، الفستق الحلبي مثلاً يحتاج من 7 إلى 10 سنوات ليبدأ بالإنتاج، فما بالك بمن يقتلع أشجاراً عمرها 80 سنة؟.”
ويضيف أن استمرار وضع المزارعين على ما هو عليه سيسبب مشاكل وصفها بـ “الكارثية” نتيجة ارتفاع الأسعار بسبب نقص الإنتاج، خاصة وأن معظم الأراضي تترك كما هي لعدم قدرة المزارع على تحمل نفقات الزراعة الباهظة التي تفوق إمكاناته المادية والاقتصادية بأضعاف.
ويشير إلى أن أشجار الزيتون بالذات كانت تمثل أماناً للمزارع، لأنها تُثمر حتى في سنوات الجفاف، وقطعها يعني كسر ظهر العائلة.”
ويؤكد اليوسف على ضرورة التعاون بين الحكومة والمزارعين لإعادة تشجير المنطقة، وتعويض المتضررين ومساعدتهم على مواجهة خسائرهم من خلال إنشاء مشاريع زراعية توفر للمزارعين تسهيلات مادية وغرسات مجانية.
ورغم هذه الخسارات، لا يزال كثير من المزارعين يحاولون التمسك بأرضهم وزراعتها من جديد، مثل محمد الأشقر (44عاماً) الذي اضطر لبيع إحدى الأراضي التي يملكها، ليتمكن من استصلاح الأراضي الأخرى.
يقول محمد وهو يعيد زراعة بستانه الذي خسر نصفه تحت جرافات النظام، “قطعوا الشجرة بس ما قطعوا الأمل، الأرض لنا عشنا منها ونموت ونحنا نحرسها.”
ويضيف وهو يغرس شتلات زيتون جديدة في أرضه المحروقة “قد لا أرى ثمارها، لكن أولادي سيرونها، إذا قطعوها مرة سنزرعها ألف مرة”.
نشرت هذه المادة في العدد السادس من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 11 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










