أنهى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا مطلع كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حقبة طويلة من الصراع المسلح بدأت منذ عام 2012، تخللها استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة بدءاً من الطيران الحربي والمروحي مروراً بالكيميائي وصولاً إلى الألغام، خلّفت أعداداً كبيرة من الضحايا إلى جانب الدمار في البنية التحتية الأساسية، ولا تزال تأثيراتها مستمرة وتشكّل تحدياً كبيراً في مرحلة البناء وإعادة الإعمار، من حيث التلوث والسلامة البيئية وانعكاس ذلك على الصحة العامة وانتشار الأمراض.
أكثر من 220 هجوماً بالأسلحة الكيميائية جرى توثيقها في سوريا بين عامي 2012 و2024 أبرزها هجوم الغوطة الشرقية عام 2013 بحسب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التابعة للأمم المتحدة، شملت استخدام غازات السارين والكلور ومواد كيميائية أخرى.
وأدت إلى مقتل وإصابة المئات واتهمت قوات النظام المخلوع بتنفيذها، رافقها انتشار وزراعة آلاف الألغام، حيث تحدثت منظمة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) في نيسان/ أبريل الماضي، عن تحديد 832 منطقة ملوثة بالألغام والمخلفات الحربية في عموم المناطق السورية.
اقرأ أيضاً: في اليوم العالمي للبيئة.. “تلوّث رباعي” يسمّم الحياة شمالي سوريا – 963+
وتشكّل الألغام غير المنفجرة أحد أبرز المخاطر على السوريين بعد الحرب، حيث حذرت منظمة “هانديكاب إنترناشيونال” الدولية غير الحكومية في شباط/ فبراير الماضي، من أن ما بين 100 و300 ألف من هذه الذخائر تهدد حياة ثلثي سكان البلاد، موضحة أنه تم استخدام العديد من الأسلحة غير التقليدية، مثل البراميل المتفجرة التي لديها معدل إخفاق أعلى، كما زرع تنظيم داعش الألغام في مناطق عدة، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية “فرانس برس”.
وتشمل التحديات البيئية التي تواجهها سوريا بعد الحرب، تلوث الهواء والمياه وتدهور الأراضي والغطاء النباتي وفقدان التنوع البيولوجي واستنزاف الموارد الطبيعية وتداعيات تغير المناخ، على خلفية الحرائق الكثيرة والأنشطة الصناعية والزراعية غير المنتظمة واستخدام مصادر الطاقة الملوثة، إلى جانب الصرف الصحي غير المعالج والنفايات الصناعية والزراعة الكثيفة وتسرب النفط، والرعي الجائر وتآكل التربة، إلى جانب المناخ والظواهر الجوية المتطرفة وغيرها.
وشهد تلوث الهواء في سوريا تزايداً ملحوظاً منذ عام 2015 بحسب تقارير أممية، وذلك نتيجة مجموعة من العوامل على رأسها القصف الجوي الذي شنته القوات الروسية وقوات النظام المخلوع ضد مناطق المعارضة، وقصف التحالف الدولي للمنشآت النفطية التي كان يسيطر عليها تنظيم “داعش”، علاوةً على الهجمات الكيميائية، حيث حلّت سوريا في المرتبة 18 بين أكثر دول العالم تلوثاً من بين 92 دولة في عام 2019، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، إذ بلغ تركيز الجسيمات الدقيقة ثلاثة أضعاف مستوى التعرض الموصى به من المنظمة.
ووصلت مستويات انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون السنوية في سوريا عام 2019، إلى 26.96 مليون طن بحسب بيانات صدرت حينها عن موقع “عالمنا” المتخصص بالبيانات، وهو ما أسفر عن تكبد البلاد 1.4 تريليون دولار من التكاليف الاجتماعية، إضافةً إلى احتمالية حدوث ظواهر جوية قاسية مثل فترات جفاف وانقطاع في سلاسل الإمدادات الغذائية وغيرها، وهو ما حدث بالفعل في السنوات التالية التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة وانخفاض الهطولات المطرية.
وسط هذه التداعيات البيئية الكبيرة التي خلّفتها الحرب السورية، والآثار الناجمة عن استخدام الأسلحة الكيميائية والمتفجرات على البيئات الحضرية وغير الحضرية في البلاد، والمخاطر الصحية المترتبة على ذلك، لا بد من البدء بمعالجتها وإجراء مسح شامل لآثار الصراع على البيئة بقدر كبير من الدقة، وتحليل مواقع البؤر البيئية الخطيرة وتحديد حالتها، ووضع تدابير لمعالجة المسببات، إلى جانب الإلمام بالتهديدات المحتملة على صعيد المجتمعات المحلية على كامل الجغرافيا السورية.










