في الوقت الذي تهيمن فيه رياضات مثل كرة القدم والسلة على الساحة العربية، تبرز وجوه شابة تختار طريقاً مختلفاً، يشقون دربهم في مجالات رياضية قد تبدو هامشية في نظر البعض، لكنها تحمل في طياتها فرصاً للتميز والتألق. من بين هذه الوجوه اللامعة يسطع نجم البراء البرخو، لاعب منتخب سوريا للريشة الطائرة، الذي لا يتجاوز عمره السابعة عشرة، لكنه راكم إنجازات تُحسب في مسيرة طويلة، ووضع بصمته في بطولات آسيوية وترك انطباعاً لافتاً لدى جمهور اللعبة ومتابعيها.
وُلد البراء البرخو في السابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير عام 2008 في مدينة الحسكة، شمال شرقي سوريا. وفي ظل ظروف معيشية وأمنية معقدة كانت تمر بها البلاد، لم يكن من السهل أن ينشأ حلم رياضي في بيئة تفتقر إلى الاستقرار والدعم المؤسساتي.
لكنه منذ طفولته كان يميل إلى الحركة والنشاط، ويبحث دائماً عن وسيلة للتعبير عن طاقته الداخلية. انتقل مع عائلته إلى محافظة اللاذقية، وهناك، عام 2018، كانت البداية الحقيقية مع رياضة لم تكن حينها شائعة أو مألوفة بالنسبة له، لكنها ستصبح محور حياته لاحقاً: الريشة الطائرة.
يحكي البراء عن لحظة تعرفه على هذه الرياضة قائلاً لـ”963+”: “لم أكن أعرف الكثير عنها، لكنها جذبتني من اللحظة الأولى. فيها سرعة، وتكتيك، وتحدٍ ذهني. شعرت أنني أعيش تجربة جديدة تماماً.
اقرأ أيضاً: الحكم السوري رحاب طيبة… صفّارةٌ تتحدى الصعاب وتصنع الفرق – 963+
لقد كانت الريشة الطائرة اكتشافاً لعالم مختلف، عالم وجدت نفسي فيه سريعاً”. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الولع باللعبة يتحول إلى التزام يومي، وتمرينات صارمة، وسعي دائم إلى التطور. الموهبة كانت واضحة منذ البداية، لكن ما يميز البراء أكثر هو وعيه المبكر بمسؤولياته كلاعب، والتزامه بأهدافه رغم صغر سنه.
وفي عام 2021، خطف الأنظار حين فاز بذهبية بطولة الجمهورية العربية السورية، ما أتاح له فرصة تمثيل بلاده في أول بطولة خارجية. لم يكن يتوقع الكثير، لكنه فاجأ الجميع حين حقق ثلاث ميداليات برونزية في بطولة غرب آسيا التي أُقيمت في البحرين، عن فئات الفردي والزوجي والزوجي المختلط لفئة تحت 15 سنة.
لم تكن النتائج فقط هي الملفتة، بل الطريقة التي لعب بها، وثقته التي تجاوزت عمره، وقدرته على مواجهة خصوم أكثر خبرة، جعلت المتابعين يضعون اسمه ضمن قائمة اللاعبين الواعدين في المنطقة.
وفي العام التالي، 2022، عاد ليثبت أن تألقه لم يكن مجرد صدفة. احتفظ بذهبية بطولة الجمهورية، وشارك في بطولة غرب آسيا بالكويت، حيث حصل على برونزية الفردي وذهبية الزوجي، ما أضاف إلى سجله الدولي تأكيداً على قدرته على المنافسة والاستمرارية.
أما في عام 2023، فقد اكتفى بفضية الجمهورية، لكنه عوّض ذلك في بطولة غرب آسيا بالعراق، إذ حقق فضية الفردي وذهبية الزوجي من جديد، مما يدل على تطور مستمر في مستواه ومهاراته الفنية.
ورغم هذه الإنجازات اللافتة، يظل البراء متمسكاً بتواضعه، ويؤكد أن النجاح لا يُبنى على النتائج وحدها، بل على البيئة التي تحيط باللاعب، والدعم الذي يتلقاه في لحظات التحدي. حين سألناه عن مصدر قوته النفسية، أجاب دون تردد: “والدي هو الركيزة الأساسية في حياتي الرياضية. كان وما يزال أكبر داعم لي. في كل مرة شعرت بالتعب أو التردد، كان هناك، بكلمة أو بنصيحة أو حتى بصمت داعم. أعطاني الإيمان بنفسي عندما لم أكن أملكه بالكامل”. ولا ينسى البراء فضل مدربيه وأصدقائه الذين آمنوا بموهبته، وساعدوه على تخطي محطات صعبة من مسيرته.
اقرأ أيضاً: الجمهور غائب والتحديات حاضرة بقوة.. هل تصيب الكرة سلتها من جديد؟ – 963+
النجاح الرياضي لا ينفصل عن الجانب النفسي، والبراء يعي تماماً هذه الحقيقة. يتحدث عن الضغط النفسي المصاحب للمباريات الكبرى قائلاً: “الهدوء داخل الملعب هو سر من أسرار النجاح. تعلّمت مع الوقت أن أُبقي تركيزي على النقطة التالية لا على النتيجة”.
وأضاف: “الضغط موجود دائماً، لكنك تتعلم كيف تتعامل معه. كل خسارة هي درس، وكل فوز هو دافع، وأنا أتعامل مع كل مباراة كخطوة في طريق طويل”. هذه الرؤية الواعية لمفهوم المنافسة تمنحه نضجاً يندر في لاعبين من فئته العمرية.
لكن طموح البراء لا يتوقف عند البطولات الإقليمية. عينه على العالمية، وقلبه معلق بحلم الأولمبياد. يشرح قائلاً: “هدفي الأكبر هو أن أشارك في الأولمبياد، وأن أكون ضمن المصنفين في بطولة العالم. أتابع مباريات فيكتور ألكسيلسن باستمرار، وأعتبره قدوتي في اللعبة. طريقة تحكمه بالنفس، لياقته، عقليته… كلها عناصر أتعلم منها وأحاول أن أطور نفسي من خلالها”.
وبين الحلم والعمل، يمضي البراء بثقة، واضعاً لنفسه خارطة طريق واضحة، تتطلب جهداً ومثابرة، لكنه يؤمن أن كل شيء ممكن إذا وُجد الشغف.
وفي رسالته إلى الشباب السوري والعربي، لا يتردد البراء في مشاركة الدروس التي تعلمها، قائلاً: “لكل شاب طموح، أقول: لا تنتظر الظروف المثالية. ابدأ من حيث أنت، بما تملك، وادخل اللعبة بقوة. لا تستسلم أمام أول عثرة.










