مع دخول الأيام الأولى من شهر رمضان، تحول مشهد الطوابير أمام معتمدي الغاز في درعا إلى صورة يومية تسبق أذان المغرب. رجال يحملون أسطوانات فارغة، شبان ينقلونها على دراجاتهم النارية بين القرى، ونساء ينتظرن خبراً عن وصول دفعة جديدة، فيما تتجه الأنظار إلى مصدر المادة وسط تساؤلات متزايدة.
الأزمة، وفق شهادات ميدانية، بدأت قبل رمضان بأيام قليلة، حين تراجعت الكميات الواصلة إلى المعتمدين، قبل أن تتفاقم مع بداية الشهر. وبينما يؤكد الأهالي صعوبة الحصول على الأسطوانة بالسعر الرسمي، تنشط السوق السوداء في بيعها بأكثر من 25 دولاراً، أي نحو 330 ألف ليرة سورية، مقارنة بالسعر المحدد رسمياً بـ10.5 دولار، أي 128 ألف ليرة.
بحث يومي بلا نتيجة
في مدينة درعا يقول يزن لـ”963+”: “من قبل رمضان بأسبوع وأنا أبحث عن جرة غاز لنطبخ عليها برمضان. بروح على السوق السوداء، بياعين الحر بيطلبوا 330 ألف أو 325 ألف. بشوف السعر غالي، برجع بفكر أنتظر المعتمدين ليجيهم الغاز. مش عارفين مين سبب الأزمة قبل رمضان وشو الغرض منها”.
ويتابع: “مش معقولة بأشد الأوقات والناس بعازة الغاز في رمضان بينقطع فجأة. يعني وين راح الغاز يلي كان قبل 10 أيام؟ مين ورا هاللعبة؟ هل هي الحكومة أم التجار؟ مع إنه الغاز مصدره واحد وهو الحكومة”.
يزن يصف رحلة يومية تبدأ من الساعة الحادية عشرة صباحاً، وهو يحمل الأسطوانة على دراجته، متنقلاً بين القرى بحثاً عن معتمد وصله الغاز، ليعود قبيل الإفطار دون نتيجة. “بعد 10 أيام من البحث والانتظار، لسا ما حصلت على جرة وحدة”، يقول.
الريف الشرقي: مسافات أطول وأمل أقل
في بعض قرى ريف درعا الشرقي، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً بسبب قلة نقاط التوزيع واتساع المسافات بين القرى. باسل، وهو أب لثلاثة أطفال، يقول لـ”963+”: إن معاناتهم تختلف من حيث الجهد، لكنها لا تختلف في النتيجة.
ويضيف: “نحنا إذا ما وصل الغاز على المعتمد عنا، لازم نروح على قرى ثانية، ويمكن نرجع فاضيين. من عشرة أيام وأنا مسجل اسمي، وكل يوم بروح اسأل، بيقولوا لسا ما إجا شي. صرنا نلف من منطقة لمنطقة حتى نحصل على جرة وحدة”.
ويتابع باسل أنه اضطر في إحدى المرات للجوء إلى السوق السوداء، قائلاً: “اضطريت اشتري بـ325 ألف ليرة، مع إنه السعر الرسمي 128 ألف. دفعت المبلغ وأنا متضايق، بس عندي ولاد وصايمين. ما فيك تترك بيتك بلا طبخ برمضان”.
ويشير إلى أن المشكلة، برأيه، لا تتعلق فقط بالسعر، بل بغياب الشفافية، موضحاً: “قبل رمضان بأيام كان في غاز، فجأة اختفى. إذا في نقص لازم يطلعوا ويحكوا للناس بصراحة. المشكلة مو بس بالسعر، المشكلة إنه ما في وضوح”.
ويختم باسل حديثه بنبرة انتقاد واضحة: “إذا مثل ما عم ينقال إنه ما في نقص وكل شي شغال، طيب وين الغاز وليش الطوابير؟ يعني الوقفة ساعات طويلة صارت سياحة؟ يا إما المسؤولين مو شايفين، يا عايشين بكوكب تاني. اللي عنده بدل الجرة عشرة ما راح تفرق معه، بس المواطن العادي هو اللي عم يعاني. الشغلة مو بيانات، الشغلة على أرض الواقع”.
السوق السوداء: فجوة بين السعر الرسمي والواقع
مع تراجع الكميات المتاحة رسمياً، ظهرت فجوة كبيرة بين السعر المعلن والسعر المتداول فعلياً. هذه الفجوة دفعت كثيرين للاعتقاد بوجود خلل في آلية التوزيع، خاصة أن الأسطوانات متوفرة في السوق السوداء لمن يملك القدرة على الدفع.
عدد من الأهالي أكدوا أن شراء الأسطوانة بسعر 330 ألف ليرة يعني اقتطاع جزء كبير من دخلهم الشهري، في وقت ترتفع فيه أسعار المواد الغذائية خلال رمضان. بعض العائلات لجأت لتقنين الاستهلاك، وأخرى عادت لاستخدام الحطب كحل اضطراري.
وفي المقابل، أكد مدير الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد سلات أن توريدات مادة الغاز المنزلي مستمرة بشكل طبيعي، مشيراً إلى أن سوريا تُزوَّد يومياً بنحو 350 طناً عبر الأردن، بالتوازي مع استمرار عمل معامل التعبئة بكامل طاقتها الإنتاجية دون أي توقف.
وأوضح أن فجر اليوم السبت شهد الانتهاء من تفريغ ناقلة الغاز «GAS MILANO»، كما وصلت ناقلة «GAS HUSKY» ظهر اليوم، وستقوم بالربط والتفريغ مباشرة لاستكمال الإمدادات وتعزيز المخزون.
وأضاف أن الازدحام الحاصل في بعض المناطق يعود إلى زيادة الطلب منذ بداية شهر رمضان، مؤكداً أنه لا يوجد أي انقطاع في المادة، ومتوقعاً عودة الاستقرار الكامل يوم الإثنين أو الثلاثاء كحد أقصى.
وأشار أيضاً إلى أن بعض “ضعاف النفوس” يستغلون زيادة الطلب لرفع الأسعار في السوق السوداء.
وفي ريف درعا الغربي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً حين تُروى من داخل نقطة التوزيع نفسها. أحد معتمدي الغاز في المنطقة يقول لـ”963+”: إن الكميات التي وصلته منذ ما قبل رمضان وحتى اليوم لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الطلب.
يوضح المعتمد: “أنا كمعتمد وصلني من قبل رمضان بأسبوع وحتى اليوم 150 جرة غاز فقط. قبل رمضان بأسبوع وصلني 50 جرة، واليوم الأحد 22 شباط وصلني 100 جرة. بالمقابل الناس يلي كانت عندي تجاوز عددهم الـ500 أو 600 شخص، والطابور وصل للحارة الثانية”.
ويضيف أن مشهد الازدحام كان ضاغطاً للغاية، ليس فقط على الأهالي بل عليه شخصياً: “كل الناس زعلانة. بحكيلهم هذا يلي وصلني، 100 جرة وتم توزيعها قدام الكل. من وين أجيب للناس غاز إذا الكمية يلي عندي ما بتكفي غير 100 شخص؟”
المعتمد يشير إلى أنه تردد في البداية في استلام دفعة الـ100 جرة الأخيرة، خوفاً من اتهامه من قبل بعض الأهالي بإخفاء جزء من الكمية أو بيعها في السوق السوداء، قائلاً: “أنا أصلاً رفضت بالبداية استلم الـ100 جرة لأنه الناس ما رح تتركني بحالي، وراح يقولوا سرقهم وباعهم حر. بس الناس كانت شايفة بعينها إنه تم توزيع الـ100 جرة كاملة، وما ضل عندي شي”.
ويؤكد أن التوزيع تم بشكل علني أمام المنتظرين، لتفادي أي سوء فهم أو اتهام، خاصة في ظل حالة الاحتقان التي تسود الشارع.
“اضطريت استلم الكمية عشان يمشي عدد من الناس المقطوعة من الغاز. يعني على قولة المثل الرمد ولا العمى. في ناس مشت حالها بجرة، وفي ناس للأسف ما أخذت لأنه الكمية غير كافية”.
ويختم المعتمد حديثه بالإشارة إلى وعود تلقاها بوصول دفعات جديدة تباعاً إلى درعا خلال الأيام المقبلة، لكنه يلفت إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة الكبيرة بين حجم الطلب والكميات الواصلة فعلياً، خاصة في شهر يرتفع فيه الاستهلاك بشكل طبيعي.
شهادة المعتمد تعكس جانباً آخر من الأزمة، حيث يجد نفسه بين ضغط مئات المواطنين من جهة، ومحدودية الكميات المرسلة إليه من جهة أخرى، في مشهد يختصر تعقيدات ملف الغاز في درعا خلال رمضان.
بدورها قالت محافظة درعا، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، إنه في إطار متابعتها لواقع مادة الغاز في المحافظة، فإن الغاز الخام متوفر حالياً في محطة غرز، موضحة أن الطاقة الإنتاجية للمحطة تتراوح بين 11 ألفاً و12 ألف أسطوانة يومياً.
وأشارت المحافظة إلى أن هذه الكميات من المتوقع أن تنعكس إيجاباً على عملية التوزيع في الأسواق، بحيث يشهد السوق تحسناً ملحوظاً خلال أسبوع من تاريخه، الأمر الذي سيسهم في تعزيز الاستقرار وتلبية احتياجات المواطنين بصورة أفضل.
وأكدت المحافظة حرصها على متابعة واقع الإنتاج والتوزيع بشكل يومي ومستمر، لضمان وصول المادة إلى مستحقيها وتحقيق الانفراج المطلوب في أقرب وقت ممكن، بما يخفف من معاناة المواطنين ويعالج آثار الأزمة الحالية.
بين التصريحات والواقع اليومي
رغم التطمينات الرسمية، لا تزال الطوابير في درعا قائمة، بحسب ما رصده “963+” ميدانياً. الأهالي يؤكدون أن المشكلة بالنسبة لهم ليست في أرقام التوريد، بل في وصول المادة فعلياً إلى أيديهم بالسعر المحدد.
بعض المعتمدين أشاروا إلى أن الكميات التي تصلهم أقل من أعداد المسجلين، ما يخلق ضغطاً يومياً واحتكاكاً مع المواطنين. وبين تأكيد الوزارة استمرار الإمدادات، وبيان محافظة درعا حول توفر الغاز الخام في محطة غرز، وشهادات الأهالي حول صعوبة الحصول على الجرة، تبقى الفجوة قائمة بانتظار عودة الاستقرار الموعود.










