تُعد البطالة واحدة من أكثر الأزمات الاقتصادية إلحاحاً في محافظة درعا ومناطق الجنوب السوري عموماً في ظل استمرار ضعف النشاط الاقتصادي وغياب الاستثمارات وندرة فرص العمل. وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً من التدهور الاقتصادي المرتبط بسنوات الحرب لا يزال السكان يواجهون واقعاً معيشياً صعباً يفرض على كثير منهم البحث عن أي مصدر دخل مهما كان بسيطاً.
ومع غياب فرص العمل المستقرة يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة تدفعهم إلى العمل في المهن المؤقتة أو اليومية أو في الأسواق الشعبية في محاولة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
اقرأ أيضاً: مشاريع صغيرة.. خيار الشباب السوري لمواجهة البطالة والأزمة الاقتصادية – 963+
سوق عمل هش ومعاناة يومية
يقول شادي أبو يامن في تصريحات لـ”963+”: إن البحث عن فرصة عمل ما يزال مهمة شاقة تكاد تكون مستحيلة بالنسبة لكثير من الشباب موضحاً حجم المعاناة اليومية التي يعيشها العاملون في المهن البسيطة.
ويضيف بلهجته العامية: “أنا كعامل عادي بشتغل من الساعة ثمانية الصبح للساعة اثنا عشر الظهر في سوق الهال للخضار بمدينة نوى وبعد الظهر بروح بشتغل بورشة لصب البيتون مع ورشات البناء على شان اقدر اأمن مصروف بيتي وعائلتي وبقول الحمد لله انه ملاقي شغل لأنه في غيري ما عم يقدر يلاقي أي فرصة عمل”.
ويتابع: “في ناس عم تبحث ليل نهار على الانترنت على شان تلاقي شغل تشتغله لتقدر تعيش وفي عائلات الشباب كلها بتشتغل بالأعمال اليومية والبنات كمان عم تشتغل بمحلات بيع الألبسة النسائية وملابس الأطفال أو سكرتيرة عند دكتور أو دكتورة حتى تقدر العائلة تعيش نحن اليوم بمرحلة معيشة تحت المتوسطة يعني اللي بيلاقي شغل يشتغله هاد بتكون أمه راضية عليه”.
وتعكس هذه الشهادة جانباً من الواقع الصعب الذي يعيشه السكان حيث لم يعد العمل مرتبطاً بالتخصص أو الشهادة بل أصبح أي عمل متاح فرصة يجب التمسك بها
وفي السياق نفسه يقول وليد الخبي أحد الباعة في أحد الأسواق الشعبية بمدينة درعا لـ”963+”: إن كثيراً من العاملين في هذه الأسواق لم يعودوا يقتصرون على هذه المهنة فقط بل يجمعون بين أكثر من عمل في اليوم الواحد.
ويضيف: “على سبيل المثال في أساتذة بيشتغلوا الصبح بالتدريس وبعد الظهر بيجوا يشتغلوا محاسبين ماليين بمحلات سوق الهال وهذا الشي صار طبيعي بسبب ضعف الرواتب”.
ويوضح أن “الأستاذ رغم امتلاكه وظيفة ثابتة وراتب شهري إلا أنه يضطر للبحث عن عمل إضافي لأن الراتب لا يكفي لتأمين متطلبات الحياة”.
ويشير إلى أن هذا الواقع يخلق نوعاً من المنافسة القاسية على فرص العمل حيث أن الأستاذ الذي لديه دخل ثابت يأخذ فرصة عمل إضافية في حين يوجد أشخاص آخرون لا يملكون أي مصدر دخل وهم بحاجة ماسة لهذه الفرص.
ويتابع أن المشكلة لا تتعلق بطرف واحد فقط فالأستاذ بحاجة لهذا العمل الإضافي ليعيش والشخص الآخر بحاجة نفس العمل لأنه لا يملك أي دخل ثابت ما يجعل الجميع في سباق مفتوح على فرص محدودة.
ولا تقتصر البطالة على فئة الشباب غير المتعلمين فقط بل تمتد لتشمل خريجي الجامعات الذين يجدون أنفسهم مضطرين للعمل في مجالات بعيدة تماماً عن اختصاصاتهم بسبب عدم توفر فرص عمل مناسبة.
اقرأ أيضاً: “نعمل فقط كي نأكل”: البطالة والأجور تدفع شباب سوريا نحو طرق التهريب – 963+
أرقام رسمية محدودة وواقع أكثر تعقيداً
رغم انتشار البطالة بشكل واضح في الحياة اليومية للسكان لا تزال البيانات الرسمية غير كافية لتعكس حجم الأزمة الحقيقي إذ تعود آخر الإحصاءات المتوفرة إلى عام 2022 عندما قدر المكتب المركزي للإحصاء معدل البطالة في سوريا بنحو 23.7 بالمئة.
وتشير الأرقام إلى أن عدد العاطلين عن العمل في محافظة درعا بلغ نحو واحد وسبعين ألف شخص بينما سجلت محافظة السويداء نحو سبعة وستين ألفاً في حين بلغ العدد في القنيطرة نحو خمسة وعشرين ألفاً.
كما تظهر البيانات أن الفئة العمرية بين عشرين وأربع وعشرين عاماً تسجل النسبة الأعلى من البطالة والتي تصل إلى نحو ثمانية وخمسين بالمئة ما يعكس حجم الضغط الكبير على سوق العمل وغياب الفرص أمام الفئة الأكثر نشاطاً.
ورغم أن هذه الأرقام تعود إلى فترة سابقة فإن كثيراً من الخبراء يرون أن الواقع الحالي قد يكون أكثر سوءاً في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وضعف عجلة الإنتاج.
وفي هذا السياق قال وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار إن معدل البطالة في البلاد قد يتجاوز ستين بالمئة مشيراً إلى أن حجم الدمار الذي لحق بالاقتصاد خلال سنوات الحرب كان كبيراً جداً وفاق التوقعات.
كما تشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوريا تحتاج إلى ما يقارب مئتي ألف فرصة عمل سنوياً فقط لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل ومنع تفاقم الأزمة بشكل أكبر.
اقرأ أيضاً: انخفاض معدلات بطالة الشباب عالمياً وارتفاعها في الدول العربية – 963+
القطاع الزراعي من ركيزة اقتصادية إلى مصدر أزمة
يُعد القطاع الزراعي أحد أهم القطاعات التي كانت توفر فرص عمل واسعة في الجنوب السوري إلا أنه شهد تراجعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة.
يقول المزارع أشرف العبود لـ”963+” إن الزراعة التي كانت تشكل مصدر رزق رئيسي لآلاف العائلات لم تعد قادرة على تأمين هذا الدور كما في السابق.
ويوضح أن موجات الجفاف التي ضربت المنطقة خلال العامين الماضيين أدت إلى انخفاض كبير في الإنتاج الزراعي وخسارة عدد كبير من المزارعين لمواسمهم ما انعكس بشكل مباشر على فرص العمل المرتبطة بهذا القطاع.
ويضيف أن التحديات لا تقتصر على الظروف المناخية فقط بل تشمل أيضاً عوامل أمنية حيث أدى وجود القوات الإسرائيلية وسيطرتها على مناطق زراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في وادي اليرموك والقنيطرة إلى توقف العمل في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
هذا الواقع أدى إلى تراجع كبير في فرص العمل المرتبطة بالزراعة سواء في الزراعة نفسها أو في تربية المواشي أو في الأعمال الموسمية المرتبطة بالمواسم الزراعية.
ويقول الدكتور محمد الفقيه خبير اقتصادي ودكتور في جامعة دمشق، لـ”963+” إن القطاع الزراعي في الجنوب السوري يواجه أيضاً تحديات إضافية تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الموارد وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة ما يجعل من الصعب استعادة هذا القطاع لدوره السابق في دعم الاقتصاد المحلي.
تعافٍ اقتصادي بطيء وخطط غير مكتملة
شهدت سوريا خلال الفترة الأخيرة تغيرات سياسية فتحت الباب أمام الحديث عن مرحلة جديدة وخطط لإعادة تنشيط الاقتصاد إلا أن الطريق نحو التعافي لا يزال طويلاً ومعقداً
ويرى خبراء أن إعادة بناء الاقتصاد تتطلب وقتاً طويلاً واستثمارات كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية التي تضررت بشكل واسع خلال سنوات الحرب
وأكد تقرير صادر عن منظمة الهجرة الدولية عام 2025 أن قلة فرص العمل تعد من أبرز العوائق أمام عودة السوريين إلى مناطقهم إلى جانب ضعف الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
وفي السياق ذاته أشار أحد الصحفيين الذين شاركوا في لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أن الحكومة تعمل على إعداد خطة تنموية للمحافظات الجنوبية تشمل مشاريع زراعية وإنشاء مدن صناعية بهدف تحريك الاقتصاد المحلي.
وأضاف أن هناك مشروعاً آخر قيد الدراسة لم تتضح تفاصيله بعد إلا أنه قد يسهم في حل جزء كبير من المشكلات الاقتصادية في المنطقة في حال تنفيذه.
ورغم هذه الطروحات لا يزال كثير من السكان يتعاملون معها بحذر في ظل غياب نتائج ملموسة على أرض الواقع حتى الآن.
خيارات محدودة تدفع نحو المسار العسكري
في ظل غياب الفرص الاقتصادية الكافية اتجه عدد متزايد من الشباب في الجنوب السوري إلى الانضمام إلى المؤسسات العسكرية والأمنية بحثاً عن مصدر دخل ثابت يضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار.
ويقول أحد وجهاء منطقة الشجرة في ريف درعا الغربي إن هذا التوجه لم يعد خياراً بقدر ما أصبح ضرورة بالنسبة لكثير من الشباب الذين لم يجدوا أي بدائل اقتصادية أخرى.
ويضيف أن بعض القرى بات فيها في كل منزل شاب متطوع في إحدى الجهات العسكرية أو الأمنية وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تدفع الشباب إلى هذا المسار.
ويرى مختصون أن معالجة أزمة البطالة في الجنوب السوري تتطلب خطوات عملية وجدية تبدأ بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتنشيط القطاع الزراعي وتوفير بيئة مناسبة للاستثمار.
كما يؤكدون أهمية إطلاق مشاريع تنموية حقيقية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.










