قبل ثلاث سنوات، قرر حسن الأحمد (36 عاماً) أن يغامر بما تبقى لديه من مدخرات صغيرة في مشروع متواضع داخل منزله في قرية حويجة السوافي في ريف محافظة الرقة الجنوبي.
لم يكن المشروع كبيراً أو معقداً، لكنه كان بالنسبة للشاب الباحث عن فرصة عمل بداية طريق جديد للخروج من دائرة البطالة.
وافتتح حسن مشروعاً بسيطاً لتفقيس البيض وبيع صوص الدجاج للمربين الصغار في المنطقة، مستفيداً من الطلب المستمر على الدجاج البلدي ودجاج الزينة في منطقته التي تعد أصلاً منطقة ريفية تهتم بالزراعة وتربية الحيوانات.
ويقول حسن في حديث لـ”963+”، إن الفكرة بدأت عندما لاحظ أن كثيراً من المربين في قريته يضطرون لشراء الصوص من مناطق بعيدة وبأسعار مرتفعة، فقرر شراء حاضنة صغيرة لتفقيس البيض والعمل من المنزل.
ومع مرور الوقت، بدأ المشروع يتوسع تدريجياً، حيث زاد عدد الزبائن وارتفعت كمية الإنتاج ما دفعه إلى شراء أنواع من دجاج الزينة الذي يبيع بأسعار مرتفعة مقارنة بالدجاج البلدي، ما وفر له دخلاً يساعده على إعالة أسرته.
ويضيف: “لم أجد فرصة عمل ثابتة لسنوات، لذلك فكرت أن أخلق لنفسي فرصة. المشروع صغير، لكنه يضمن دخلاً أفضل من انتظار وظيفة قد لا تأتي”.
قصة حسن ليست حالة فردية، بل تمثل نموذجاً لآلاف الشباب السوريين الذين اتجهوا خلال السنوات الأخيرة إلى إطلاق مشاريع صغيرة بوصفها وسيلةً لتأمين مصدر دخل يخفف من أعباء الحياة اليومية، في ظل التدهور الاقتصادي المستمر وتراجع فرص العمل.
دوافع اقتصادية
شهدت سوريا خلال أكثر من عقد من الحرب تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وتقلص فرص العمل في القطاعين العام والخاص، ومع محدودية قدرة المؤسسات على استيعاب اليد العاملة، باتت المشاريع الصغيرة خياراً عملياً أمام الشباب الباحثين عن مصدر رزق.
ويرى كثير من الشباب أن العمل الحر يمنحهم مرونة أكبر في إدارة وقتهم وتحقيق دخل قد يتجاوز أحياناً ما توفره الوظائف التقليدية، خصوصاً في ظل انخفاض الرواتب في كثير من القطاعات.
ورغم انتشار هذه المبادرات، إلا أن أصحاب المشاريع الصغيرة يواجهون تحديات عديدة، أبرزها ارتفاع تكاليف المواد الأولية، وتقلب الأسعار، وضعف القدرة الشرائية لدى السكان.
ومن بين النماذج التي تعكس روح المبادرة لدى الشباب، تجربة خالد الفيصل (27 عاماً)، الذي قرر استثمار سيارة والده الشاحنة الصغيرة بطريقة مختلفة.
وحوّل خالد الشاحنة إلى صندوق مغلق بسيط، ووضع بداخله آلة لصنع القهوة والمشروبات الساخنة، ليبدأ مشروع “مقهى متنقل” يجوب به الشوارع والأسواق المزدحمة.
ويقول خالد في حديث لـ”963+”، إن الفكرة جاءت بعد أن لاحظ الإقبال الكبير على القهوة والمشروبات الساخنة في الأسواق والطرق الرئيسية، فقرر أن يقدمها بطريقة سهلة وقريبة من الناس.
ويضيف: “لم يكن لدي رأس مال كبير لافتتاح مقهى، لذلك فكرت في مشروع بسيط ومتنقل، السيارة كانت موجودة أصلاً، وكل ما احتجته هو تجهيزها بالمعدات الأساسية”.
وسرعان ما لقي المشروع إقبالاً من المارة والعمال والطلاب، خصوصاً أنه يقدم القهوة بأسعار أقل من المقاهي التقليدية، ومع الوقت أصبح خالد يفكر في توسيع المشروع وشراء سيارة أخرى للعمل في منطقة مختلفة.
تقاليد اقتصادية سورية
يقول سامر كعكرلي، رئيس المكتب الاقتصادي في حزب اليسار الديموقراطي السوري – ألمانيا، إن التوجه المتزايد للشباب السوري نحو المشاريع الصغيرة ليس ظاهرة جديدة، بل امتداد لتقاليد اقتصادية عرفها المجتمع السوري قبل ستينيات القرن الماضي.
ويشير كعكرلي في تصريح لـ”963+”، إلى أن سوريا كانت قبل عام 1963 تشهد انتشاراً واسعاً للمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر مثل ورشات الخياطة وصناعة الأحذية والنجارة إضافة إلى البسطات التجارية، التي كانت تؤمّن مصدر دخل لقطاع كبير من السوريين.
ويضيف كعكرلي أن وصول حزب البعث إلى السلطة ثم ترسيخ حكم حافظ الأسد أدى إلى تضييق الخناق على هذا القطاع، إذ فُرض على أصحاب المهن الانتساب إلى جمعيات واتحادات حرفية خاضعة لسيطرة الدولة، والتي أصبحت الجهة المسؤولة عن تأمين مستلزمات الإنتاج للحرفيين.
ويؤكد أن هذه السياسات هدفت إلى تعزيز فكرة “الدولة الراعية” ودفع المواطنين إلى الاعتماد على الوظائف الحكومية، ما أدى مع الوقت إلى تضخم الجهاز البيروقراطي وإضعاف قطاع المشاريع الصغيرة.
ويلفت كعكرلي إلى أن هذه السياسات جاءت في وقت كانت فيه دول العالم تتجه لدعم المشاريع الصغيرة، مشيراً إلى تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي نشر في آذار/ مارس 2025 يذكر أن الشركات الصغيرة في اليابان تمثل نحو 99.7 في المئة من إجمالي الشركات وتسهم في توفير نحو 77 في المئة من فرص العمل.
ويضيف أن قانون الاستثمار رقم 10 الصادر عام 1991 لم يراعِ المشاريع الصغيرة، إذ اشترط أن تبلغ قيمة المعدات والآلات للمشروع عشرة ملايين ليرة سورية، أي ما كان يعادل نحو 200 ألف دولار آنذاك.
وفيما يتعلق بدوافع توجه الشباب السوري إلى المشاريع الصغيرة، يوضح كعكرلي أن السبب الرئيسي يتمثل في انهيار مؤسسات الدولة خلال سنوات الحرب وتراجع مفهوم الدولة الراعية، حيث أصبحت الوظائف الحكومية قليلة ولا توفر رواتبها الحد الأدنى من تكاليف الحياة، في وقت تراجع فيه دور القطاع الخاص نتيجة انخفاض الاستثمارات وارتفاع معدلات البطالة، ما دفع كثيراً من الشباب للبحث عن بدائل اقتصادية عبر مشاريعهم الخاصة.
وينوه كعكرلي إلى أن أصحاب المشاريع الصغيرة يواجهون تحديات عديدة، أبرزها ضعف القدرة الشرائية للسكان وتقلب الأسعار وسعر الصرف، إضافة إلى نقص التمويل وصعوبات البيئة التنظيمية والبيروقراطية.
ويرى أن هذه المشاريع يمكن أن تسهم في تخفيف جزء من البطالة عبر تأمين دخل لصاحب المشروع وعائلته وأحياناً توفير فرص عمل محدودة، لكنها تحتاج إلى بيئة داعمة تشمل تمويلاً ميسراً واستقراراً نسبياً في الأسعار وقوانين واضحة وبرامج تدريب، حتى تتحول من وسيلة للبقاء الاقتصادي إلى عامل حقيقي للنمو الاقتصادي.










