مع بداية المرحلة الانتقالية في سوريا مطلع عام 2025 بقيادة الرئيس أحمد الشرع، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يمكن لسوريا أن تبني جيشاً وطنياً عابراً للطوائف، يتجاوز الانقسامات التي غذّت الحرب الأهلية الطويلة؟
وتشكيل جيش عابر للطوائف يعني تأسيس مؤسسة عسكرية وطنية تُبنى على أساس المواطنة والانتماء للوطن فقط، وتضم أبناء كل المكونات السورية: سنة، علويين، مسيحيين، دروز، أكراد وغيرهم، دون تمييز أو محاصصة. والهدف المعلن هو حماية وحدة البلاد وضمان الاستقرار، بعيدًا عن الولاءات الطائفية أو السياسية.
وفي السياق السياسي الراهن، أعلن الشرع بعد إطاحة نظام بشار الأسد حلّ الفصائل المسلحة والأجهزة الأمنية السابقة، والدعوة إلى تأسيس جيش جديد قائم على التطوع لا على التجنيد الإجباري. كما ضمّت حكومته الانتقالية شخصيات من مختلف الطوائف، في خطوة وُصفت بأنها بداية لـ”تجاوز المحاصصة الطائفية” وبناء “سوريا الجديدة”.
اقرأ أيضاً: واشنطن تؤكد دعمها لدمج “قسد” في الجيش السوري وتحقيق الاستقرار عبر حكومة شاملة – 963+
عقبات بناء الجيش
غير أن الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشمّاعي يعتبر في تصريحات لـ”963+” أن الشرع “لن يتمكّن من بناء تحالفات سياسية واجتماعية تدعم مشروع جيش وطني عابر للطوائف ما لم يتخلّص كلياً من إرثه الإيديولوجي السابق”، واصفاً المهمة بأنها “شبه مستحيلة في ظل تنوع الجماعات ذات الخلفيات الإسلاموية”.
وتعتمد آلية بناء الجيش على اندماج الفصائل المسلحة السابقة، والتفاوض مع قوى مثل قوات سوريا الديموقراطية، إلى جانب فتح باب التطوع أمام الشباب من مختلف المناطق. كما أُنشئت مراكز لتسوية أوضاع الجنود السابقين وإعادة تدريب الكوادر.
وفي هذا الإطار، يوضح الباحث والأكاديمي د. عرابي عرابي، في تصريحات لـ”963+” أنّ “الجيش السوري الموحد يقوم أساساً على مبدأ التطوع”، مشيراً إلى أن الفصائل القديمة يجري العمل على دمجها تدريجياً عبر وزارة الدفاع، بينما تُفرز الكتائب الجديدة مباشرة إلى التخصصات العسكرية.
ويؤكد عرابي أن “المعايير الموضوعة لا تميّز بين أحد وآخر، وأن أبناء الأقليات مرحب بهم باعتبار الجيش مؤسسة وطنية جامعة”.
لكن التحديات تبقى كبيرة، أبرزها استمرار الولاءات الطائفية والعشائرية داخل المجتمع، والخلافات الأيديولوجية بين الفصائل، فضلاً عن ضعف القدرات اللوجستية والعسكرية بعد سنوات الحرب، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية.
وهنا يشدّد الخبير العسكري السوري العميد فايز الأسمر على أن “مشروع بناء جيش سوري مؤسساتي ومحترف يواجه العديد من الصعوبات، وفي مقدمتها إشكالية دمج الفصائل بشكل كامل تحت إمرة القيادة العامة والتخلي عن مرجعياتها الخاصة”.
ويوضح الأسمر في تصريحات لـ”963+” أن إعادة البناء تتطلب “تأهيل البنية العسكرية بجميع صنوفها من القوات البرية والجوية والبحرية وصولاً إلى الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي”، مشدداً في الوقت نفسه على “أهمية قبول كافة المكونات الطائفية والإثنية ضمن بنية الجيش بما يعكس مبدأ أن حماية الوطن مسؤولية جماعية”.
أما من زاوية البعد الإقليمي، فيرى الشمّاعي أن “أي نظام سياسي في سوريا لن ينجح إذا لم ينسجم مع طبيعة المجتمع الاثنو-جغرافية”، معتبراً أن الحل يكمن في “نظام فدرالي بالحد الأدنى أو كونفدرالي بالحد الأقصى، بما يتيح بناء جيش اتحادي قوي يعكس التوازنات الداخلية”.
ويضيف أن هذا النموذج “قد يحوّل الطائفية من سبب للنزاع إلى حافز تنافسي تنموي بين الأقاليم ضمن جمهورية اتحادية جديدة”.
الرئيس الشرع شدد على أن الجيش الجديد سيكون مؤسسة طوعية قائمة على المساواة الوطنية، معتبراً أن تجاوزه للطائفية يمثل خطوة حاسمة لإعادة بناء الدولة.
شروط نجاح بناء الجيش!
ويرى مراقبون أن نجاح هذا المشروع يتطلب مسارين متوازيين: “إرادة سياسية واضحة من القيادة، وإصلاحات اجتماعية ومؤسسية تعيد الثقة بين السوريين وتعالج إرث الصراع الأهلي”.
لكن الشمّاعي يحذّر من أن “استمرار المحاصصة الطائفية سيُبقي أي حكومة عاجزة عن إحداث إصلاحات حقيقية، بل سيؤدي إلى تهميش شرائح من الشعب وتوليد أحقاد قابلة للانفجار”.
ويشدد على ضرورة “بلورة صيغة سياسية اتحادية، قد تكون الفدرالية الاثنو-جغرافية أبرزها، بما يتيح إصلاح المسار التأسيسي للجيش وتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية فيه”.
اقرأ أيضاً: قناة إسرائيلية: واشنطن تطلب من تل أبيب وقف هجماتها على الجيش السوري – 963+
من جهته، يؤكد العميد الأسمر ضرورة “إعادة افتتاح الكليات العسكرية وتخريج دفعات جديدة من الضباط وصف الضباط”، معتبراً أن “إعادة الضباط الأكاديميين والمنشقين إلى مواقع قيادية أساسية هي خطوة لبناء النواة الحقيقية للجيش الجديد”.
بدوره يشير عرابي إلى أن “عملية دمج الفصائل تحتاج عادة إلى عشر سنوات أو أكثر في الدول الخارجة من النزاعات، لكنها قد تختصر في سوريا إلى عام أو عامين فقط بحسب ظروف المرحلة”.
وبناءً على آراء الخبراء، فإن تشكيل جيش عابر للطوائف في سوريا ليس مهمة سهلة، لكنه يشكّل رهاناً محورياً في المرحلة الانتقالية. ونجاحه يتوقف على مدى قدرة الحكم الجديد على ترجمة الشعارات إلى واقع، وتحويل المؤسسة العسكرية إلى مظلة وطنية جامعة لكل السوريين، في ظل ضغوط داخلية وخارجية تجعل المسار محفوفًا بالتعقيدات.










