تتجه الأنظار في بيروت ودمشق وعواصم إقليمية إلى اجتماع رباعي مرتقب يضم لبنان وسوريا ومصر والأردن خلال شهر شباط/ فبراير المقبل، في خطوة تعكس عودة ملف الطاقة إلى صدارة الأولويات السياسية والاقتصادية، ليس فقط كحل تقني لأزمة الكهرباء في لبنان، بل كمدخل لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية مع سوريا في مرحلة ما بعد نظام بشار الأسد.
مصادر وزارية لبنانية كشفت أن التحضيرات للاجتماع تتقدّم على أكثر من مسار، في مقدّمها متابعة التنسيق المتعلق باستجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر الأراضي السورية، إلى جانب إعادة النظر بالاتفاقيات السابقة الموقّعة في عهد النظام السوري المخلوع.
ووفق هذه المصادر، فإن رفع العقوبات المرتبطة بـ”قانون قيصر” بعد سقوط النظام أعاد فتح هذا الملف، بعدما شكّل لسنوات أحد أبرز العوائق أمام مشاريع الربط الإقليمي.
الطاقة كأولوية لبنانية وممر سياسي منخفض الكلفة
في خلفية هذا الحراك، تبرز الحاجة اللبنانية الملحّة لتحسين التغذية الكهربائية، بعد سنوات من الانهيار شبه الكامل للقطاع. مصدر وزاري متابع لملف الطاقة أوضح لصحيفة “الشرق الأوسط” أن الاجتماع سيعرض تقارير فنية أعدّتها وفود مختصة حول كلفة تأهيل جزء من خط الغاز العربي داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى تقييم جاهزية البنية التحتية السورية، تمهيدًا لإعادة تفعيل الاستجرار بشكل مستدام.
في هذا السياق، يرى الكاتب والناشط السياسي علي الأمين السويد، لـ”963+” أن اختيار ملف الطاقة ليكون أول ملف إقليمي يُعاد تفعيله مع سوريا بعد سقوط النظام السابق ليس خياراً تقنياً بحتاً، بل قرار سياسي محسوب ومنخفض الكلفة.
وبحسب قراءته، يتيح هذا الملف التعامل مع السلطة الجديدة في دمشق من دون حسم مسألة الشرعية السياسية الكاملة، كما يمكن تسويقه دولياً كملف إنساني يهدف إلى منع الانهيار، ولا سيما في لبنان.
ويضيف السويد أن الطاقة تمثّل “أداة اختبار” أكثر منها التزاماً طويل الأمد، إذ يمكن ضبطها أو إيقافها في أي لحظة، ما يسمح للدول الإقليمية باختبار قدرة السلطة السورية الجديدة على احترام الاتفاقات وضبط الأرض وتأمين الممرات، من دون منحها “ثقة مجانية”.
مراجعة الاتفاقيات
إلى جانب البعد التقني، يحمل الاجتماع بعداً سياسياً وقانونياً يتمثل في مراجعة شاملة للاتفاقيات السابقة، ولا سيما تلك التي وُقّعت مع النظام المخلوع.
المصادر الوزارية اللبنانية تشير إلى أن هذه المراجعة تأتي في ضوء المتغيرات السياسية والإقليمية، وتهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة برسوم العبور وآليات الدفع والإشراف.
السويد يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الإعلان عن إعادة التفاوض يحمل رسالة واضحة بفصل الاتفاقيات عن إرث النظام السابق.
ويرى أن هذا المسار يمكن أن يكون مشروعاً من منظور القانون الدولي في حال تغيّرت الظروف جذرياً، لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن غياب التوافق مع الأطراف الأخرى قد يحوّله إلى خرق تعاقدي يضر بمصداقية الدولة السورية الجديدة.
سوريا بين الإدماج الوظيفي وحدود الانفتاح
من زاوية أوسع، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي أحمد الزين قراءة تربط الاجتماع الرباعي بسياق دولي تقوده الولايات المتحدة. فالزين يعتبر في تصريحات لـ”963+” أن واشنطن تسعى إلى إعادة دمج سوريا في محيطها العربي عبر مدخلي الطاقة وإعادة الإعمار، ضمن رؤية أشمل لإعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط.
ويشير إلى أن الإدارة الأميركية تدرك أن إعادة إعمار سوريا لا يمكن أن تتم من دون لبنان، ما يجعل ملف الطاقة بوابة أساسية لإعادة فتح العلاقات اللبنانية ـ السورية على أسس جديدة.
وفيما يرى الزين أن الاجتماع قد يشكّل بداية تعاون رباعي يتجاوز قطاع الطاقة ليطال إعادة إعمار سوريا والقرى اللبنانية المتضررة، يلفت السويد إلى أن ما يجري لا يرقى إلى إعادة تأهيل كاملة لسوريا، بل يندرج في إطار “إدماج وظيفي” محدود. فدمشق، وفق هذا الطرح، تُدمج في وظائف محددة تخدم الاستقرار الإقليمي، من دون الاعتراف بها كدولة طبيعية مكتملة السيادة، وبسقف تعاون منخفض وتحت رقابة صارمة.
اقتصادياً، يقدّر السويد أن سوريا ستكون المستفيد الثالث من المشروع بعد لبنان كطرف مستهدف، والأردن كدولة عبور رئيسية، مع عائدات قد تتراوح بين 10 و20 مليون دولار سنوياً كرسوم مرور، رغم قصر مسافة العبور داخل الأراضي السورية.
المقاربة السورية: فصل الملفات وتبدّل الأولويات
في المقابل، يلفت الكاتب والمحلل السياسي حسام نجار في تصريحات لـ”963+” إلى أن ملف الطاقة ليس جديداً، بل إن الاتفاقيات الخاصة به وُقّعت منذ سنوات وتوقفت لأسباب عملية تتعلق بالكميات وطبيعة الاستجرار وتوازن الفوائد.
ويؤكد أن إعادة إحيائه اليوم تعكس أهميته، خصوصاً بالنسبة للبنان، لكنه يشدّد على ضرورة فصله عن الملفات العالقة بين بيروت ودمشق.
ويشير نجار إلى أن لدى الدولة السورية أولويات أخرى تراها أكثر إلحاحاً، مثل ملف المعتقلين السوريين في لبنان، وملف اللاجئين، وضباط النظام السابق، معتبراً أن دمشق تتعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر، انطلاقاً من قناعتها بضرورة حماية الداخل السوري، ولا سيما بعد عودة آبار النفط والغاز إلى سيطرة الدولة.
وبحسب نجار، فإن ملف استجرار الطاقة لم يعد أولوية سورية بقدر ما هو حاجة لبنانية، ما يجعل ميزان الحاجة يميل لمصلحة بيروت، رغم سعي دمشق إلى لعب دور “بيضة القبان” في هذا الملف وغيره، ضمن علاقة متعددة المسارات تقوم على نقاء النوايا وحسن السلوك.
تطورات ميدانية وضغط الأرقام
عملياً، بدأت مصر في 11 كانون الثاني الجاري بضخ نحو 50 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً إلى لبنان عبر خط الغاز العربي، بعد توريد كمية مماثلة إلى سوريا.
كما أفادت وكالة بلومبيرغ بأن القاهرة اتفقت مع دمشق وبيروت على استقبال شحنات غاز مسال لصالح البلدين عبر سفينة التغويز الراسية في ميناء العقبة الأردني، مع ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب يومياً خلال أشهر الشتاء.
وتأتي هذه الخطوات في وقت يواجه فيه قطاع الكهرباء في سوريا تحديات جسيمة، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن البلاد تحتاج إلى نحو خمس سنوات لاستقرار التيار الكهربائي بشكل كامل، في ظل عجز يتجاوز 80% من إجمالي الاحتياجات الحالية.










