ما تزال سوريا، التي تعاني من تبعات الحرب، شبه خالية من التكنولوجيا الحديثة، لا سيما تلك المتعلقة بالتعاملات المالية والاقتصادية. ولا نكشف سراً إذا قلنا إن البلاد تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وليس فقط إلى التكنولوجيا. ويصعب على اللاجئين السوريين، الذين انتشروا في أصقاع الأرض وعاشوا في بيئات متقدمة تقنياً، التأقلم مع واقع سوريا الحالي؛ حيث يغيب الإنترنت عن معظم المناطق، وتكاد تنعدم البنية التحتية الرقمية، إضافة إلى نقص الخدمات الأساسية، مما يشكل أحد أبرز العوائق أمام عودتهم، وفقاً لتصريحات الكثير منهم.
رغبة استثمارية
يشهد قطاع التكنولوجيا في سوريا اهتماماً متزايداً من مستثمرين دوليين، في ظل تحركات حكومية ومبادرات خاصة تهدف إلى بناء بنية تحتية رقمية حديثة، وخلق بيئة حاضنة لريادة الأعمال في المجال التقني، مما جعله أحد أكثر القطاعات جذباً للاستثمار خلال مرحلة ما بعد الحرب. ويأتي هذا وسط انفتاح عالمي حذر تجاه دمشق التي ما تزال ترزح تحت آثار النزاع الذي دمّر الكثير من مقدرات البلاد.
وكان وزير الاتصالات والتقانة السوري، عبد السلام هيكل، قد أطلق رؤية استراتيجية بعنوان “خارطة رقمية لمستقبل سوريا”، تهدف إلى إعادة بناء وتحديث البنية التحتية الرقمية، وتعزيز موقع سوريا في الاقتصاد الرقمي العالمي، وتمكين الابتكار، ودعم ريادة الأعمال التقنية، وجذب صناديق الاستثمار لدعم الشركات الناشئة.
اقرأ أيضاً: سوريا من العزل إلى الذكاء الاصطناعي – 963+
ومن أبرز المشاريع في هذا السياق، مشروع “SilkLink” لمدّ شبكة الألياف الضوئية، والذي تصل قيمته إلى نحو 300 مليون دولار. وتتنافس على تنفيذه شركات اتصالات كبرى من الخليج، مثل: “زين”، و”اتصالات الإمارات”، و”Ooredoo”، و”STC”، بحسب ما أفادت به وكالة رويترز. ويهدف المشروع إلى تحويل سوريا إلى نقطة ربط رقمية بين آسيا وأوروبا، في خطوة تُعد الأولى من نوعها بعد تخفيف العقوبات الأمريكية على قطاع الاتصالات السوري.
ويؤكد الخبير في التكنولوجيا الرقمية، الأستاذ أمير ددك، أن هذه المشاريع تمثل عوامل جذب رئيسية للاستثمار التكنولوجي في سوريا. وقال ددك، في تصريحات لـ”963+”: “البيئة المتهالكة في سوريا تدفع الشركات العالمية إلى التسريع في الاستثمار، نظراً لاتساع السوق وحاجته الماسة للتكنولوجيا. ومن المزايا التي تمتلكها سوريا أيضاً توفر الخبراء والمختصين ذوي الكفاءة، مع أجور منخفضة مقارنة بدول أخرى، وهو ما يشكل عنصراً مهماً في قرار الاستثمار”.
ويضيف ددك: “ابتعاد السوريين عن التكنولوجيا لسنوات طويلة يجعل من السوق السورية أرضاً خصبة للاستثمار في جميع القطاعات، وعلى رأسها التكنولوجيا. وهذا ما تتطلع إليه كبرى الشركات التقنية التي ترى في سوريا سوقاً ناشئة وواعدة”.
حوافز ومعوقات
وبحسب تقرير “Start-up Syria 2025″، يوجد حالياً أكثر من 200 شركة ناشئة في مجال التقنية داخل سوريا، ويشير التقرير إلى تحوّل ملحوظ في ثقافة الشباب السوري نحو ريادة الأعمال. إذ يرى نحو 80.5% من المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، أن تأسيس مشروع تقني يمثل فرصة واقعية للنمو في عام 2025، مقارنة بـ26% فقط في عام 2015، وهو ما يُعد مؤشراً إيجابياً للاستثمار، بحسب الخبير الاقتصادي الأستاذ سامح عاشور.
ويقول عاشور في تصريحات لـ”963+”: “رغم وجود العديد من الحوافز، إلا أن المعوقات لا تزال حاضرة. فرأس المال يبحث أولاً عن الأمان، وهو ما لا يتوفر بعد في سوريا، إلى جانب عدم استقرار حوامل الطاقة مثل الكهرباء والمشتقات النفطية، والتي تمثل تحدياً كبيراً أمام المشاريع”.
اقرأ أيضاً: لا أمن سيبراني في سوريا! – 963+
ويؤكد عاشور أن التحدي الأكبر أمام غالبية المشاريع الاستثمارية في سوريا يتمثل في الطاقة. ويضيف: “الاستثمار في التكنولوجيا يحتاج إلى بيئة قادرة على التكيف مع التقنيات الحديثة والتعامل معها من منظور اقتصادي وربحي بالدرجة الأولى، مع إيجاد حلول سريعة تخدم المجتمع اقتصادياً، ما يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة للشباب السوري المتحمس للتكنولوجيا، والذي اعتاد على استخدامها خلال فترة اللجوء. كما تسهم التكنولوجيا في توفير الجهد وتحسين جودة الحياة في مختلف المجالات”.
ورغم المعوقات الجدية، فإن الاستثمار التكنولوجي في سوريا قد يكون واعداً إذا ما جرى التوازن بين التحديات والحوافز. فالبيئة السورية، بما تحمله من احتياجات ضخمة وموارد بشرية مهيأة، تبدو سوقاً بكرًا تنتظر انطلاقتها في عالم التكنولوجيا، وسط تطلع شعبي لامتلاك أدوات رقمية طالما كانت حلماً بعيد المنال.










