كشفت تقارير إعلامية دولية عن عقد لقاءات سرية بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو، بمشاركة تركية، في تطور قد يُعيد رسم المشهد الجيوسياسي في المنطقة بعد سنوات من القطيعة المعلنة بين دمشق وتل أبيب.
وذكرت شبكة “CNN” نقلاً عن مصدر إسرائيلي مطّلع أن اللقاءات ضمّت رئيس شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي، اللواء عوديد بسيوك، وممثلين عن الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، بحضور مسؤولين أتراك. فيما أكدت القناة “12” الإسرائيلية أن المحادثات جرت بوساطة إماراتية، وأشار موقع “واينت” العبري إلى أن الاجتماعات تندرج ضمن مساعٍ إسرائيلية لتنسيق المواقف مع تركيا بشأن الملف السوري.
وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات لوزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، أعرب فيها عن استعداد بلاده لفتح قنوات تواصل مع دمشق، في إشارة إلى تحوّل محتمل في السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
وركزت المحادثات على ملفات عدة، أبرزها: الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، لا سيما في المناطق التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية بعد انهيار النظام السابق، وإمكانية العودة إلى اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، التي تنص على وقف الأعمال العدائية وإنشاء منطقة عازلة تحت إشراف أممي، إضافة إلى التنسيق الأمني لاحتواء التصعيد، في ظل تكرار الغارات الإسرائيلية على مواقع داخل سوريا.
وتأتي هذه اللقاءات بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى أذربيجان، حيث أعلن الجانبان تعزيز التعاون الاقتصادي، بما في ذلك تصدير الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا. كما أفادت تقارير بأن الشرع زار الإمارات مؤخراً، ما يثير تساؤلات حول دور بعض الدول العربية في الوساطة بين دمشق وتل أبيب.
وفي السياق ذاته، دعا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال لقائه بالشرع في الرياض الشهر الماضي، سوريا إلى الانضمام إلى “اتفاقيات إبراهيم”، وأعلن رفع جزء من العقوبات عن دمشق، واصفاً هذه الخطوة بأنها “فرصة لسوريا للمضي قدماً”.
وفي المقابل، نفت مصادر سورية إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، لكنها أقرت سابقاً بمفاوضات غير مباشرة تهدف إلى احتواء التصعيد. من جانبهم، شدد مسؤولون إسرائيليون على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن ضمانات أمنية، مع إبقاء مرتفعات الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية. ويرى مراقبون أن إسرائيل تسعى لاستثمار المرحلة الانتقالية في سوريا لتعزيز نفوذها، بينما تحاول دمشق كسر عزلتها الدولية وتخفيف العقوبات الاقتصادية.
اقرأ أيضاً: من العقوبات إلى التطبيع: هل يفرّط الشرع بالجولان من أجل السلام؟
ورغم التكتم الرسمي، تشير التحركات الميدانية والديبلوماسية إلى أن الجانبين يسعيان إلى التوصل إلى صيغة تفاهم، ولو محدودة. فبينما تطالب إسرائيل بضمانات أمنية وبالحد من النفوذ الإيراني، تسعى دمشق إلى استعادة الاستقرار ورفع العقوبات. غير أن مسألة الجولان تبقى العقبة الكبرى، إذ ترفض إسرائيل الانسحاب منها، بينما تعتبرها دمشق “أرضاً محتلة” غير قابلة للتفاوض.
مسار غير مضمون
يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من المفاوضات، سواء السرية أو العلنية، لكن نجاحها يظل رهناً بقدرة الأطراف على تجاوز إرث عقود من الصراع، وإيجاد حلول وسط تُرضي مختلف الفاعلين.
ويقول عادل شديد، الخبير الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي، لـ”963+” إن “سوريا لم تعد جزءاً من محور الممانعة، مما شكل ضربة لهذا المحور الذي تقوده إيران، إلا أن ذلك لا يعني هزيمته الكاملة”.
ويضيف أن قدرات المحور تضررت في عدد من الساحات، لكنه لم ينهَر بعد، مشيراً إلى أن “حزب الله” في لبنان لا يزال يحتفظ بسلاحه، وأن الفصائل في العراق لم تتأثر بشكل كبير، كما أن الوضع في اليمن لا يزال قائماً على ما هو عليه. ويرى أن إيران سجلت نقاطاً في مواجهتها مع إسرائيل، بينما تسبّب قطاع غزة بخسائر مستمرة لإسرائيل.
ويعتقد شديد أن “فرص نجاح مسار التطبيع السوري–الإسرائيلي تبقى محدودة، إذ لا يبدو أن إسرائيل مستعدة للانسحاب من الجولان، ولا أن دمشق قادرة على تقديم تنازلات كبرى في ظل الوضع السياسي الهش”.
ويشير إلى أن “إسرائيل تسعى إلى التأثير في شكل النظام السوري المقبل، وتركز على ضمان عدم وجود قوة عسكرية سورية قادرة على تهديدها، وتسعى إلى تحويل الجنوب السوري إلى منطقة عازلة أو ذات طابع أمني خاص”.
كما يوضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل “قد تتفقان على إعادة تشكيل القوات العسكرية السورية بما يضمن الحفاظ على الأمن الداخلي، مع التأكيد على أن لا مصلحة لهما في تقسيم أو تفكيك سوريا، خشية تداعيات ذلك على الاستقرار الإقليمي”.
اقرأ أيضاً: التطبيع السوري-الإسرائيلي: تحولات جيوسياسية وانعكاسات داخلية
ويتابع أن “ما تسعى إليه تل أبيب حالياً هو منع إعادة تشكيل محور “إيران–العراق–سوريا–لبنان”، وفي الوقت ذاته الحد من تنامي النفوذ التركي في سوريا، كي لا تتحول إلى نقطة انطلاق لمشروع تركي أوسع في بلاد الشام والخليج”.
ممانعة شعبية أم أنظمة؟
من جانبه، يقول علي ثابت جديد، الباحث السياسي المقيم في دمشق، لـ”963+”، إن “موضوع العلاقات السورية–الإسرائيلية يرتبط بإشكالية أعمق تتجاوز الأنظمة، وتتعلق بما إذا كانت الممانعة تعبّر عن نهج رسمي أم عن توجه شعبي يرفض التنازل عن الحقوق”.
ويطرح جديد تساؤلات حول جدوى اتفاقيات السلام السابقة، مثل كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، ومدى تحقيقها لمصالح شعوبها، مشيراً إلى أن الدولة السورية تدرك المخاطر الوجودية التي تواجهها، لكنها في الوقت ذاته تتخوف من ضغوط إسرائيلية لانتزاع تنازلات خطيرة في لحظة ضعف تاريخية.
ويؤكد: “ليس من السهل تقديم نصائح في هذا الظرف، لكن من الضروري إيصال رسالة إلى الحكومة الأميركية بأن مثل هذه الاتفاقات قد تضر بالدولة السورية في المرحلة الحالية، لا سيما في ظل غياب شرعية دستورية وشعبية لأي تسوية شاملة، وأن من الأفضل تأجيل هذه الملفات إلى وقت لاحق، والاكتفاء في الوقت الراهن بتفاهمات أمنية كتلك المنصوص عليها في اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974”.










