نحو مشهد إقليمي مضطرب، تتقاطع فيه الديناميات السياسية والسيولة الميدانية، في سياق صراع على نقاط النفوذ ومساحات الهيمنة في الشرق الأوسط الكبير، يأتي الإعلان عن زيارة مرتقبة لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى بيروت خلال نهاية الشهر الجاري، وذلك بحسب تصريحات صحفية لنائب رئيس الحكومة اللبنانية، طارق متري، أدلى بها يوم الأحد الماضي.
تُمثّل الزيارة، في حال حدوثها، تأويلاً مطلوباً في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين، خاصة وأنّ علاقات بيروت ودمشق شهدت فتوراً رسمياً إبان حكم نظام الأسد.
لذلك، يمكن النظر إلى هذه الزيارة بوصفها مسعى جاد لتجاوز بعض الملفات العالقة، وتحقيق عبور آمن نحو إعادة فتح خطوط التواصل السياسي بين بيروت ودمشق.
ورغم أن نائب رئيس الحكومة اللبنانية، طارق متري، صرّح لصحيفة لبنانية بأن زيارة مرتقبة للشيباني، إلى بيروت قد تتم قبل نهاية الشهر الجاري، إلا أن “963+” تواصل مع مصدر مطلع في مكتب رئيس الحكومة اللبناني، الذي أكد على أنه “حتى اللحظة، لا توجد معلومات دقيقة حول موعد زيارة الشيباني إلى بيروت”.
اقرأ أيضاً: الرئيس القبرصي وميقاتي يبحثان سبل الحد من تدفق اللاجئين السوريين – 963+
ملفات مشتركة
وفي سياق متصل، كان رئيس مجلس الوزراء اللبناني، نواف سلام، قد أجرى في نيسان/أبريل الماضي زيارة إلى العاصمة السورية دمشق، على رأس وفد وزاري، حيث التقى الوفد بالرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، ووزير خارجيته.
وقال سلام، آنذاك، إن هذه الزيارة من شأنها أن تفتح صفحة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، على قاعدة الاحترام المتبادل، واستعادة الثقة، وحسن الجوار، والحفاظ على سيادة كل من البلدين، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي منهما، “لأن قرار سوريا للسوريين، وقرار لبنان للبنانيين”.
إذاً، ثمة ملفات مشتركة بين الجانبين قيد التفاوض والنقاش، سواء في ما يتعلق بقضية ترسيم الحدود وضبطها، أو بعودة النازحين السوريين إلى بلادهم، فضلاً عن قضية الموقوفين في السجون اللبنانية.
نحو ذلك، أعرب نائب رئيس الحكومة، طارق متري، عن تفاؤله النسبي بشأن الخطة الموضوعة لإعادة اللاجئين السوريين من لبنان إلى سوريا، معتبراً أن التعاون مع السلطات السورية والأمم المتحدة، وخصوصاً “المفوضية السامية لشؤون اللاجئين” و”منظمة الهجرة الدولية”، يُشكّل الركيزة الأساسية لإنجاح هذا المسعى، مع التأكيد على ضرورة “ضبط التسلل غير الشرعي”، ودور الأمن العام في هذا الإطار.
وأشار متري إلى أن السلطات السورية والأمم المتحدة وضعتا خطة تنفيذية، تم تبنّيها من قِبل اللجنة الوزارية لتسهيل العودة، وتقديم الحوافز للسوريين الذين أبدوا استعدادًا للعودة إلى بلدهم.
ويرى متري أنه “إذا تم التعاون الجاد مع الدولة السورية، فإننا لا نتوقّع أي عقبات في طريق هذا المسعى الذي نقوم به”.
ومن جهة أخرى، قال إن وكالات الأمم المتحدة ترى أن تنفيذ الخطة سيكون ممكناً إذا انطلقنا من السوريين الذين أبدوا استعداداً للعودة.
نحو ذلك، يذهب الكاتب السوري فراس علاوي بقوله إن العلاقات اللبنانية السورية علاقات مهمة لكلا الطرفين.
ويتابع حديثه لـ”963+” أن لبنان، الذي يعاني من أزمة سياسية واضحة، وسوريا التي تسعى نحو بناء نظام سياسي بعد سقوط نظام الأسد الابن، يحتاجان إلى تأسيس علاقات سياسية منضبطة تستقيم مع كافة المتغيرات التي تحيط بالبيئة السياسية في الشرق الأوسط، عبر عدة مستويات.
ويلفت علاوي إلى عدد من الملفات المشتركة والمعقدة بين البلدين، خاصة قضية رسم الحدود البرية والبحرية، فضلًا عن عدد من النقاط العالقة المرتبطة بسياسات وتوجهات نظام الأسد.
ويضيف علاوي إلى تلك الملفات ملفات الأموال الموجودة في البنوك اللبنانية، وأيضاً ملف المعتقلين السوريين في لبنان.
ويعتقد فراس علاوي، في ختام حديثه، بأن تطور الأحداث الميدانية في الشرق الأوسط ربما تؤجل الزيارة، أو ربما تفرض ملفات جديدة عليها، حسب استمرار نتائج ما يحدث بين إسرائيل وإيران.
اقرأ أيضاً: دروس لبنانية لسوريا الجديدة! – 963+
عناوين هامة للزيارة
وقد يكون من المنطقي أن قرار زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت قد تم حسمه نتيجة توافقات إقليمية ودولية، بيد أن توقيت تلك الزيارة، وتنفيذها فعليًا في نهاية الشهر الجاري، يخضع لتأويل مختلف عليه؛ إذ إن السيولة الميدانية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط بين إسرائيل وإيران قد تدفع باتجاه تأجيل موعد الزيارة إلى وقت لاحق، حتى يهدأ مسرح الأحداث ويتهيأ للعمل السياسي. وبالتالي، تبدو الزيارة أكثر منطقية وتتماشى مع طبيعة التطورات المرتبطة بالملفات المشتركة، كون بيروت ودمشق من ضمن دوائر الجغرافيا السياسية لمسرح الأحداث.
من جانبه، يرى حنا صالح، الكاتب اللبناني، أن أهم ما في زيارة الشيباني إلى لبنان، هو حدوثها بالفعل. ويضيف في حديثه لـ”963+”، أن “الزيارة بالطبع هامة ولافتة، كونها أول زيارة لمسؤول سوري كبير إلى لبنان بعد زيارة الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي، ثم قيام رئيس الحكومة الحالية، على رأس وفد كبير، برئاسة نواف سلام، حيث التقوا بالمسؤولين السوريين. كما تم سابقًا لقاء بين الرئيسين على هامش القمة العربية”.
ويشدّد صالح على أن ثمة عناوين هامة يمكن رفعها كعنوان لهذه الزيارة: “أولها، في تقديري، إعادة الاستقرار إلى الحدود، بمعنى معالجة قضايا النازحين وقضايا التهريب. وهذه مسائل تفترض خطوات من الجانبين، حيث كانت هذه الحدود، لفترات طويلة، مستباحة. وقد نشأت حولها، من الجانبين، بنية ـ أو قل تركيبة ـ عشائرية، تابعة لقوى النظام في سوريا ولحزب الله في لبنان”.
هذه التركيبة، بحسب الكاتب اللبناني، تولّت عمليات التهريب، بل وتولّت حتى الاتجار بالبشر. والعمل على تفكيك هذه البنية يتطلب التعاون من الجانبين، فضلاً عن موضوع النازحين الذين ناهزوا المليونين، ولم يعد منهم إلى سوريا سوى القليل.
ويلفت صالح إلى أن الدعم المالي الدولي للنازحين شبه متوقّف، وبدءاً من شهر أيلول/ سبتمبر القادم، ستتوقّف نهائياً كل التغطية الصحية للنازحين التي كان يتولاها الاتحاد الأوروبي، وقد تم إبلاغ لبنان بذلك. وهذا موضوع لا يستطيع لبنان معالجته بمفرده، وبالتالي لا بد من إجراءات جدية لإعادة ما أمكن من النازحين.
أما الموضوع الثاني، الذي يرتدي أيضاً أهمية، بحسب صالح “فهو موضوع الموقوفين السوريين، إذ إن هناك خطوات تُتّخذ لتسريع محاكماتهم، وأعدادهم ليست قليلة. وهناك اتجاه لتسليم هؤلاء الموقوفين إلى الجانب السوري”.
ويختتم الكاتب اللبناني، حديثه بالقول إن “القضية الأكثر أهمية في محادثات الجانبين ستكون مسألة ضبط وترسيم الحدود بين البلدين. وكان هذا الأمر محل متابعة من المملكة العربية السعودية، التي استضافت اجتماعًا بين وزير الدفاع اللبناني ووزير الدفاع السوري، لمناقشة مسائل الحدود والترسيم”.










