على الرغم من سنوات الحرب الطويلة التي مزقت سوريا وغيرت ملامح المجتمع، بقيت المرأة السورية حاضرة وفاعلة في قلب المشهد. فقد اضطرت آلاف النساء إلى الانتقال من الأدوار التقليدية في المنزل إلى ساحات العمل نتيجة غياب المعيل التقليدي بسبب القتل أو الاعتقال أو التهجير. ورغم أدوارها البطولية في الصمود والتكيف، بقيت المرأة السورية على هامش الحياة الاقتصادية بسبب القوانين المقيدة والعادات المجتمعية الراسخة. اليوم، في مرحلة ما بعد نظام الأسد، تطرح تساؤلات كبيرة حول قدرة الحكومة الجديدة على إنصاف المرأة، إذ لا يقتصر الإنصاف على السماح لها بالعمل، بل يشمل ضمان وصولها العادل للفرص وحمايتها من التمييز وتمكينها من اتخاذ القرار الاقتصادي بحرية.
رغم أن قوانين العمل السورية كانت تتيح نظرياً للمرأة العمل في مختلف القطاعات، إلا أن الواقع كان مختلفاً إلى حد كبير. فقد كانت المرأة تعاني من تهميش مزدوج، قانوني ومجتمعي، حيث كانت مشاركة النساء في سوق العمل لا تتجاوز 13% عام 2010 حسب بعض التقديرات، لكنها ارتفعت إلى 26% في عام 2024، وهو ما يعكس التحديات الكبيرة التي استطاعت المرأة السورية تجاوزها خلال الحرب. ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الإحصاءات الرسمية لا تعكس الواقع بدقة، إذ لا تشمل النساء العاملات في القطاع غير الرسمي بأجور منخفضة وبدون عقود رسمية أو حماية تشريعية. وحتى الآن، لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة عن مشاركة المرأة في سوق العمل في ظل الحكومة السورية الانتقالية.
اقرأ أيضاً: المرأة السورية في قلب إعادة الإعمار: من الهامش إلى القيادة
رغم الإنجازات.. التحديات مستمرة
وتسلط الناشطة الحقوقية السورية منى غانم الضوء على استمرار الفجوة الجندرية في سوق العمل، مشيرة إلى أن الحكومة الجديدة لم تتبن رؤية استراتيجية واضحة لدعم المرأة اقتصادياً، حيث صرحت لـ”963+“: “حتى الآن لا توجد مؤشرات قوية تدل على وجود رؤية استراتيجية حقيقية، لم نر تغييرات ملموسة على مستوى التشريعات أو برامج دعم مباشرة تستهدف النساء، كما أن التحديات البنيوية والقانونية لم تُعالج بشكل فعلي حتى الآن”. وتشير غانم أيضاً إلى محدودية تمثيل النساء في الحكومة، حيث توجد وزيرة واحدة فقط هي هند قبوات وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، كما أن نتائج الانتخابات البرلمانية الأولية تظهر انخفاضاً في تمثيل النساء، وهو ما تعزو الناشطة إلى تأثير تيارات الإسلام السياسي على التوجهات الحكومية.
وتضيف غانم: “الحكومات ذات توجهات إيديولوجية محددة غالباً ستميل إلى فرض رؤية محافظة لدور المرأة وحصرها في الأدوار المنزلية أو التعليمية المحدودة، وهذا قد يؤدي إلى تراجع فرص النساء في قطاعات مختلطة كالإعلام والأعمال والقانون، وتمنع مشاركة النساء في مناصب قيادية وتعرقل عمل منظمات نسوية أو مبادرات التمكين بحجة الاختلاط أو الفساد الأخلاقي”.
كما تشير الناشطة إلى أن الإعلان الدستوري يمنح المرأة حقوقاً أساسية منها المشاركة السياسية والاقتصادية، لكنها تضيف: “لا توجد مؤشرات قوية حتى الآن على آليات تنفيذ فعالة لضمان تمكين حقيقي للمرأة في سوق العمل، أو معالجة الفوارق النوعية في التوظيف والأجور والحماية من التميي”.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي ربيع نصر أن مشاركة المرأة في سوق العمل ما تزال منخفضة، خصوصاً في القطاع الرسمي الذي يظل محدود الانفتاح أمام النساء باستثناء بعض المجالات مثل التعليم والصحة. ويشير نصر إلى أن التمييز المهني والأجر غير المتكافئ، وغياب الأمان الوظيفي، وضعف قوانين حماية المرأة، وضعف الفرص الاقتصادية والسياسية، وعدم توفر حضانات أو إجازات أمومة عادلة، بالإضافة إلى الأعراف المجتمعية التي تقيّد مشاركة النساء، كلها عوامل تحد من مشاركتهن في سوق العمل.
كما يوضح نصر أن الظروف الاقتصادية الصعبة وسوق العمل المتضرر من الأزمة تجعل النساء الأكثر ضعفاً عرضة لقبول وظائف غير رسمية، التي لا توفر استقراراً أو حماية قانونية. وتشمل أبرز الوظائف غير الرسمية التي شغلتها النساء خلال سنوات الحرب وما بعدها العمل الزراعي، والخدمات المنزلية والتنظيف ورعاية الأطفال، والمشاريع المنزلية الصغيرة والحرف اليدوية، والتسويق والعمل عن بعد، وصالونات التجميل، والعمل في المصانع والورش غير الرسمية، وقطاع الضيافة والمطاعم، مع الإشارة إلى أن نسبة مشاركة النساء في هذه القطاعات لا تدخل في الإحصاءات الرسمية، مما يجعل البيانات الرسمية أقل دقة في تصوير الواقع.
اقرأ أيضاً: المرأة السورية بين التهميش والبحث عن الاعتراف
تمكين المرأة اقتصادياً: حلول من واقع التحديات
رغم كل هذه التحديات، تمكنت المرأة السورية من تحقيق إنجازات مهمة خلال السنوات الماضية، خصوصاً في مجالات العمل غير الرسمي والمرن، إلا أن التحديات المستمرة مثل التمييز المهني، والأجور غير المتكافئة، وضعف الحماية القانونية، ونقص الفرص الاقتصادية والسياسية، لا تزال تعيق تمكينها الكامل. وترى الناشطة منى غانم أن الحكومة ما تزال تتعامل مع قضية المرأة من زاوية رمزية، مؤكدة: “الأمر يحتاج إلى إصلاحات قانونية، تشجيع ريادة الأعمال النسائية إلى جانب الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد، وهو قطاع بدأ ينمو بشكل جيد في سوريا، كذلك هناك مجال واسع في القطاع الزراعي والتعليمي إذا ما توفر الدعم والتدريب اللازم، كما يجب العمل على تغيير الصورة النمطية للمرأة من خلال الإعلام والتعليم”.
ويؤكد نصر أن الحلول تتطلب إصلاحات تشريعية جريئة تشمل المساواة في الأجور، والحماية من الفصل التعسفي، وتحسين فرص النساء في التعيينات والمناصب الرسمية، إلى جانب ضخ استثمارات في التعليم والتدريب المهني المخصص للنساء، خاصة في المناطق المتضررة. كما يشدد نصر على دور القطاع الخاص في اعتماد سياسات عمل مرنة وصديقة للمرأة، مع دعم المجتمع المدني لمبادرات المشاريع الصغيرة والمبادرات النسائية، مع ضرورة دعم حكومي ومؤسساتي أقوى. ويضيف نصر: “مجرد فتح النقاش العلني حول حقوق النساء في العمل هو خطوة إيجابية يجب البناء عليها”.
وتختم منى غانم حديثها بالقول: “وجود المرأة السورية في سوق العمل ليس فقط حق، بل ضرورة لإعادة بناء المجتمع، حيث تُعد مساهماتهن أساسية ليس فقط للتعافي ودفع عجلة الانتعاش الاقتصادي، بل أيضاً لتعزيز التنمية المستدامة مما يمهد الطريق لمستقبل أكثر عدلاً”.
يمكن تلخيص الموقف السوري من خلال مقارنة قصتين متوازيتين للمرأة: الأولى، المرأة السورية أثناء الحرب، حيث اضطرّت للانتقال من الأدوار التقليدية إلى العمل غير الرسمي للبقاء على قيد الحياة، وكانت الوظائف غالباً مؤقتة وغير محمية قانونياً ومجتمعياً محدودة الدعم. والثانية، المرأة السورية في مرحلة ما بعد نظام الأسد، حيث تكافح للحصول على حقوقها الاقتصادية والسياسية ضمن الحكومة الجديدة، مع تحديات مستمرة مثل التمييز ونقص التمثيل وغياب تنفيذ التشريعات الفعلية.
وفي كلا السياقين، يبرز صمود المرأة وقدرتها على التكيف، لكن الاختلاف يكمن في طبيعة الدوافع؛ الأولى كانت البقاء، والثانية السعي نحو العدالة والمساواة والتمكين المستدام. كلا القصتين تؤكدان أن نجاح المجتمع السوري الجديد يعتمد بشكل كبير على تمكين المرأة وإتاحة الفرص الحقيقية لها في سوق العمل.










