رافق إعادة تشكيل الدول في منطقة الشرق الأوسط خلال ثلاثينيات القرن الماضي وفي فترة ما بعد انتهاء الانتدابات الغربية، ظهور أحزاب سياسية في عدة دول بينها سوريا ولبنان، ذات مرجعيات وأيديولوجيات مختلفة إما قومياً أو دينياً أو غير ذلك، مستفيدة من حالة الانفتاح على الغرب وظهور تيارات سياسية واجتماعية من طبقات مختلفة برجوازية ومتوسطة تعمل على تبني نهجاً جديداً قائم على الاستقطاب بالاستفادة من تبعات مرحلة الانتداب.
استجابة للظروف
وتشير أغلب الداراسات التاريخية، إلى أن “الأحزاب القومية والدينية في سوريا نشأت كاستجابة طبيعية للظروف السياسية والاجتماعية في فترة الاستقلال وما بعد الانتداب، وقدمت خيارات سياسية متنوعة للمواطن السوري، لكنها كانت تحمل في بذورها عوامل التفكك والانقسام التي برزت لاحقاً”.
اقرأ أيضاً: هل تلغي الولايات المتحدة عقوبات “قيصر” عن سوريا ؟ – 963+
“الإخوان والبعث والقومي الاجتماعي”
ومن أبرز الأحزاب التي ظهرت في فترة الثلاثينات وما بعد الانتداب الفرنسي في سوريا، وكانت ذات توجه ديني أو قومي، هي “جماعة الإخوان المسلمون” و “حزب البعث العربي” و “الحزب العربي الاشتراكي” و “الحزب القومي السوري”، والتي كانت تتخذ من “الإسلام السياسي” وتبني الأفكار القومية العربية و “الوحدة العربية” وقضية فلسطين، شعاراً ومنطلقاً للانتشار في البلاد والمنطقة العربية واستقطاب الجماهير التي كانت تتوق إلى شكل من الدول قائم على مثل هكذا توجهات بعد سنوات من سيطرة الدولة العثمانية وبعدها الانتداب الفرنسي على مناطقها، فكان روادها من أبناء الطبقة البرجوازية أولاً ثم الطبقة الوسطى الذين تلقوا تعليماً خلال المراحل السابقة، ومستفيدةً من حالة الفضاء الواسع للعمل السياسي خلال تلك المرحلة، قبل تصدر العسكر للمشهد لاحقاً، وتبنيها هي نفسها أفكاراً إما غير قابلة للتطبيق أو تختلف مع رغبات الناس، إلى جانب معاناتها من مشكلات تتعلق بالتنظيم والبروقراطية وغيرها.
نشأت “جماعة الإخوان المسلمون” في سوريا بداية كحزب سياسي عام 1939، كجناح للجماعة التي نشأت في مصر على يد حسن البنا عام 1928، وانتخب مؤسس الجناح في سوريا بعد دراسته في مصر واطلاعه على أفكارها مصطفى السباعي مراقباً عاماً لها، واتخذت من “الإسلام السياسي” منهجاً، وهو القائم على الحزبية السياسية ذات المرجعية الدينية، واستطاعت الانتشار بشكل كبير لاسيما في وسط وشمال البلاد، وأصبحت بعد انتهاء الانتداب الفرنسي عام 1946 من أبرز الجماعات أو الأحزاب العاملة على الأرض، معتمدة على وجود طبقات اجتماعية محافظة على مستوى البلاد، كانت حذرة في تلك المرحلة من الأحزاب ذات التوجهات اليسارية، وفق ما توثق جميع الدراسات المتعلقة بتاريخ هذه الجماعة.
وتؤكد التوثيقات، أن انتشار الجماعة اقتصر على المدن السورية الرئيسية، ولم تحقق نجاحاً في الأرياف، ما عدا البلدات والقرى المجاورة للمدن ولم تحقق أي انتشار بين صفوف القوات المسلحة، بحكم التركيبة الطائفية للجهتين، وقدمت لجمهورها بديلاً إسلامياً محلياً عنوانه “الحل الإسلامي”، وهو مقتبس عن الشعار المصري الإخواني “الإسلام هو الحل”، وقد طالب هذا البديل “بوقف التبعية للأجنبي ووضع حد لتحالف الإقطاع والبورجوازية المدينية وتحرير العمال والفلاحين من الجهل والفقر، ووضع قوانين تحدد ملكيات الأراضي، وإفساح المجال للعناصر الشابة لدخول الجامعات ومعاهد التعليم العالي لتحسين مستوى المعيشة”.
وبرز أيضاً، “الحزب السوري القومي الاجتماعي”، الذي أسسه اللبناني المغترب أنطون سعادة عام 1932، مستنداً من الناحية الإيديولوجية، على “أفكار القومية السورية ووحدة بلاد الشام، من سفوح جبال طوروس شمالاً، وسيناء جنوباً وبادية الشام شرقاً، أي شاملة لفلسطين ولبنان وسورية وشرق الأردن، ودعا إلى فصل الدين عن الدولة وإزالة الحواجز بين الطوائف وإقامة دولة مركزية وجيش قوي، ووضع الفكرة السورية في قالب حزب سياسي”، ولاقى برنامجه استحسان الأقليات الدينية والإثنية، وأوساط الطلاب، والبورجوازية الصغيرة، وفي صفوف الجيش، وأصبح خلال فترة الأربعينيات وبداية الخمسينيات من أقوى الأحزاب من حيث التنظيم والقدرا ت الفكرية والكوادر المثقفة، خاصةً بين أبناء الطائفة العلوية وريفي حمص وحماة لأنه كان معادياً للإقطاع.
وإلى جانب ذلك، كان تأسيس “حزب البعث العربي الاشتراكي” عام 1947، بعد دمج “حزب البعث” الذي أسسه ميشيل عفلق، و”الحزب العربي الاشتراكي” الذي أسسه أكرم الحوراني، بناءً على أفكار الشباب المنتمين إلى “عصبة العمل القومي” خلال فترة الانتداب الفرنسي، والتي ظهرت كاستجابة للتغييرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي حدثت في سوريا، وكانت عبارة عن “مركّب من الطبقة الوسطى”، وكان في مقدمة صفوفها رجال من بيئات تجارية ومن مستويات متوسطة من بيروقراطية الدولة، إلى جانب أصحاب المهن والبرجوازية الصناعية.
وكانت قيادات “حزب البعث” تنتمي إلى جيل الشباب السوريين الذين ولدوا مطلع القرن الماضي، وجذب الحزب أعداداً كبيرة من العاملين في التعليم والمؤسسات الأخرى، وقد كان لدعم الجيش السوري للحزب دور بارز في انتشاره وتوسع نشاطه، حيث انضم له ضباط عديدون من طوائف مختلفة وجدوا فيه “الإيديولوجيا التي يبحثون عنها” في إطار مساعيهم للبروز على الساحة السياسة والوصول إلى السلطة لاحقاً.
لكن يتهم الحزب إلى جانب جميع الأحزاب القومية، بالتأسيس لتمزيق الهوية الوطنية السورية ليس عبر احتكاره للسلطة لاحقاً والقضاء على الحياة السياسية بالبلاد بشكل كامل، بل عبر الإصرار على ترسيخ الأفكار القومية على حساب الهوية الوطنية، وذات الأمر ينطبق على الأحزاب ذات التوجه الديني كجماعة “الإخوان المسلمون” التي كانت تتبنى أفكاراً وإيديولوجيا عابرة للحدود، دون مشروع وطني واضح وجامع.
اقرأ أيضاً: “قسد” وأنقرة في مسار تفاوضي يرسم مستقبل سوريا وتركيا – 963+
برامج عابرة للحدود
يقول المحلل السياسي السوري حسام نجار المقيم في بولندا، إن “الحزب السوري القومي الاجتماعي حاول من خلال فكرة الإقليم الواحد و سورية الكبرى أن يضع الجميع في بوتقة واحدة و أن الانقسام و الانعزال خطر يهدد الكيانات التي تم تقسيمها لذلك كانت الأفكار عنده إقليمية توحيدية سيطرت على كامل الإقليم .بينما حزب البعث كانت منطلقاته مختلفة كلياً و كانت مبادئه تقوم على العامة من الشعب و ليس على النخب و اعتمد على العامل و الفلاح ضد الاقطاعي أو الرأسمالي فكان توجه الجميع من العامة لهذا الحزب كبيراً لأنه يعطيهم مجالاً على حساب النخب و الاقطاعيين، حيث كان الإقطاع و الرأسمال في أوجهما و يسيطر ان على كل المقدرات”.
ويوضح خلال تصريحات لـ”963+”، أن “كل هذه الأحزاب عندما انطلقت للعمل كانت تختلف أهدافها وطموحاتها وفي طبيعة النشأة والأفراد المستهدفين والتنفيذ على أرض الواقع، وقد يكون للانتداب الفرنسي أو البريطاني تأثيرات غير واضحة المعالم على نهج وفكر تلك الأحزاب، التي كانت تتصارع للفوز بأكثرية المقاعد في البرلمان وقد تكون فرنسا أو بريطانيا غذت إحداها لكن ليس بالضرورة أن تكون هذه الأحزاب تابعة”.
مسارات التأسيس
ويشدد نائب رئيس تيار “سوريا الجديدة” محمد الفقير المقيم في دمشق في تصريحات لـ”963+”، على أن “ظهور الأحزاب الدينية والقومية في سوريا غير منفصل عن السياق السياسي للبلاد خلال فترة الانتداب وما بعدها وخلال وجود الدولة العثمانية، التي كانت قد بدأت أواخر القرن التاسع عشر بالتحول من دولة سلطانية إلى دولة حديثة، وفي ظل وجود وسيطرة حالة الأعيان لم تكن تلك الأحزاب سياسية حقيقية، وكانت توجهاتها إما على المستوى المحلي والفئوي أو عابرة للحدود، ولم تكن لديها برامج تعنى بالشأن الوطني السوري ككل”.
ويرى الفقير، أن “هذه الأحزاب جاءت كردة فعل على انهيار الدولة العثمانية والاختلاف والتناحر بين القوى الليبرالية والعلمانية التي كانت تدفع باتجاه الاستقلال عن الحكم العثماني، وبين القوى الإسلامية المحافظة التي ربط الكثير منها مصيره بمصير العثمانيين، إلى جانب مناهضة بعضها للحدود التي تم رسمها بعد انتهاء الدولة العثمانية، وعليه فإنها لم تنطلق من حالة سياسية راهنة، وطرحت شعارات وبرامج عابرة للحدود ولا تعالج القضايا الوطنية السورية، مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي كان يطالب بالوطن السوري الممتد إلى سيناء وشمال الحجاز وأطراف العراق ومرسين”.
وتتهم هذه الأحزاب، أنها كانت تستغل التوجهات والميول القومية والدينية لدى نسبة عالية من الشعب السوري واتجاهه لإيجاد هوية خاصة محددة في فترة ما بعد الانتداب وما تعتبره الحملات التي كانت تستهدف تغيير الهويات، إلى جانب بروز قضية فلسطين في وقت لاحق، لذلك أطلقت هذه الأحزاب شعارات وبرامج تتعدى الجانب الوطني إلى القومي والديني العابر للحدود من أجل كسب حاضنة شعبية، والوصول إلى السلطة، إلا أن ذلك انعكس على برامجها الوطنية الداخلية.
ويشير نجار، إلى أنه “بعد تشكل القوى العالمية وانتهاء الحرب العالمية الثانية كان لا بد لتلك الأحزاب أن تواكب التطورات بظهور قوى جديدة واندثار أخرى وبدء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا فتحولت تلك الأحزاب إلى توابع وانقسمت في توجهاتها وأصبحت الأجنحة في كل قطر هي أساس العمل الحزبي (حزب البعث)، بينما توسعت أحزاب على امتداد العالم (جماعة الإخوان المسلمين) وبدأت تتلاشى أحزاب أخرى (الحزب السوري القومي الاجتماعي) لعدم وجود أرضية صلبة له ومحاربته من قبل بقية الأحزاب”.
وبناءً عليه تذهب أغلب الدراسات، إلى أن “أهداف هذه الأحزاب كانت في الواقع تتناقض مع تشكيل هوية سورية جامعة في إطار الوطن الذي تشكل بعد الاستقلال، ما يعني رفضها للشكل الذي فرضته القوى الكبرى كجغرافيا سياسية، دون تقديم بديل واضح، وهو ما انعكس على الهوية الوطنية السورية في العقود اللاحقة، وساهم ولو بشكل قليل بحالة التفكك التي عاشتها البلاد بمراحل متعددة، كما أن إيديولوجياتها لم تكن سوى واجهة لاستقطاب الجماهير ووسيلة للوصول إلى السلطة”.










