في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية، أعلنت وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، الاثنين الماضي، عن تعيين أحمد إحسان فياض الهايس، المعروف بلقبه “أبو حاتم شقرا”، قائداً للفرقة 86، في إطار ما وصفته بعملية “إعادة هيكلة ورفد القيادات الميدانية بالكفاءات ذات الخبرة العسكرية”.
وينحدر الهايس من بلدة شقرا في ريف دير الزور الغربي، وينتمي إلى عشيرة البو معيش، إحدى فروع قبيلة البكارة. وقد انخرط في الحرب السورية منذ انطلاقتها في آذار/ مارس 2011، وانضم لى فصيل “أحرار الشرقية” وتولى قيادته لسنوات.
لاحقاً، عُيّن نائباً لقائد “حركة التحرير والبناء”، أحد أبرز التشكيلات العسكرية المنضوية ضمن “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، ثم أصبح نائباً للقائد العام لـ”الفيلق الأول” في آب/ أغسطس 2023، قبل أن يصدر قرار تعيينه الحالي.
اقرأ أيضاً: هل منحت “نداء جنيف” بطاقة شكر لأبو حاتم شقرا المتهم بارتكاب انتهاكات واسعة؟ – 963+
سجل مثير للجدل
وكانت قد فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الهايس في تموز/ يوليو 2021، متهمةً إياه بالضلوع في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاختطاف، إضافة إلى دمج عناصر سابقين من تنظيم “داعش” في صفوف فصيله.
ويُعتبر من أبرز الأسماء المرتبطة بحادثة اغتيال السياسية الكردية هفرين خلف، الرئيسة المشتركة لحزب سوريا المستقبل، التي وقعت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 على طريق M4. ووفقاً لتقارير إعلامية وصور متداولة حينها، تواجد الهايس في موقع الحادثة الذي شهد إنزال خلف ومرافقيها من سيارتهم، قبل إعدامهم ميدانياً.
اقرأ أيضاً: باريس: ندين أحداث “العنف الطائفي” الذي تعرض له الدروز في سوريا – 963+
واشنطن تلوّح بالمحاسبة
عقب تعيين الهايس، أصدرت مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، دوروثي شيا، بياناً اعتبرت فيه أن “الولايات المتحدة تتوقع محاسبة جميع المسؤولين عن أعمال العنف في سوريا، خصوصاً أولئك الذين يتمتعون بمناصب رسمية”.
وأوضحت شيا في بيان نشرته عبر منصة “إكس” أن “هذا النوع من التعيينات يقوّض مبادئ العدالة والمصالحة الوطنية، ويبعث برسائل خاطئة إلى الشعب السوري، مفادها أن الانتهاكات تمر دون حساب”. وأضافت: “نتوقع من الحكومة السورية الانتقالية اتخاذ خطوات حازمة تُظهر التزامها العلني بسيادة القانون، وتجنب منح الشرعية لأشخاص وردت أسماؤهم على قوائم العقوبات الدولية”.
وفي تعليق آخر لها نهاية نيسان/ أبريل، كانت شيا قد شددت على أن “الشعب السوري يستحق قيادة شفافة وخاضعة للمساءلة، وقادرة على طيّ صفحة 54 عاماً من الاستبداد تحت حكم عائلة الأسد”.
وأكدت أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب تصرفات الإدارة الانتقالية، محذرة من أن “أي تورط لعناصر مرتبطة بالإرهاب أو بجهات أجنبية مثل إيران سيؤثر على شرعية الحكومة الجديدة أمام المجتمع الدولي”.
اقرأ أيضاً: الإدارة الذاتية تلغي ترخيص منظمة كرّمت مُصنف “إرهابياً” – 963+
انتقادات حقوقية: إفلات من العقاب
الناشط الحقوقي ومدير منظمة حقوق الإنسان في عفرين، إبراهيم شيخو، قال في تصريحات خاصة لموقع “963+” إن هذا التعيين يمثل “تتويجاً لسياسة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح، وإقصاء الشخصيات الوطنية التي لعبت أدواراً محورية في الثورة السورية”.
وأضاف: “ما نشهده اليوم هو تقنين لوجود شخصيات مدرجة على قوائم العقوبات الدولية، في مناصب عسكرية وحكومية عليا، ما يعكس فشلاً ذريعا في احترام مبادئ العدالة الانتقالية”.
وتابع شيخو: “حاتم أبو شقرا ليس الوحيد، بل سبقه محمد جاسم (أبو عمشة) رغم ما هو موثق ضده من انتهاكات، إلى جانب إبراهيم عيسى وسيف أبو بكر. هذه التعيينات تعبّر عن تقاسم للسلطة بين أمراء الحرب، وتُظهر غياب أي رغبة حقيقية في المحاسبة”.
وأكد شيخو أن “العالم، بما فيه فرنسا والولايات المتحدة، يكتفي بالمراقبة، بينما المطلوب هو تحرك حقيقي يضمن بدء مسار سياسي جاد، وإخراج العناصر الأجنبية، وإبعاد الشخصيات المتورطة عن واجهة المشهد”.
“أمراء الحرب” مستمرون
أما الصحفي والمحلل السياسي عبد الحليم سليمان، من مدينة القامشلي، فرأى في هذا التعيين انعكاساً لـ”توازنات معقدة داخل البنية العسكرية الجديدة، حيث يستمر نفوذ أمراء الحرب الذين يتحكمون فعلياً بالميدان، فيما تكتفي الدولة بإضفاء الشرعية على وجودهم”.
وأضاف سليمان في حديث لـ”963+” أن تعيين أبو شقرا “لم يكن فقط استجابة لاحتياجات أمنية، بل نتيجة ضغوط إقليمية، خصوصاً من تركيا التي لا تزال تملك نفوذاً كبيراً داخل بعض التشكيلات العسكرية”. وتابع: “هذا يعقّد مهمة الحكومة الجديدة في كسب ثقة المجتمع الدولي”.
وأكد سليمان أن “أبو شقرا متهم بارتكاب انتهاكات موثقة، ليس فقط في مقتل هفرين خلف، بل أيضاً في تل أبيض وعفرين، حيث طالت الاتهامات عناصر فصيله بعمليات نهب وابتزاز وممارسات طائفية. كما نُسب إليه دور في أعمال عنف وقعت في قرى الساحل السوري قبل اتفاق وقف إطلاق النار”.
ورأى سليمان أن “هذه التعيينات تمثل إعادة إنتاج للنهج القديم القائم على تقاسم السلطة، لكنها تصطدم بواقع قانوني وحقوقي لا يمكن تجاوزه”، مضيفاً: “الشارع الكردي والنخب السياسية في شمال شرق سوريا عبرت عن غضبها، واعتبرت الخطوة نكسة لمسار العدالة”.
اقرأ أيضاً: الرئاسة السورية تصدر بياناً حول مستجدات الاتفاق مع “قسد” – 963+
إدانات كردية نسوية وحقوقية
ركسن محمد، الناطقة الرسمية باسم وحدات حماية المرأة YPJ، المنضوية في صفوف قوات سوريا الديموقراطية (قسد) قالت في منشور على “إكس”: “ندين بشدة تعيين المرتزق حاتم أبو شقرا، المتورط في جرائم ضد النساء والإيزيديين واغتيال الرفيقة هفرين خلف وسائقها فرهاد رمضان. هذا التعيين يُشرعن الإفلات من العقاب ويُكرّس العنف ضد المرأة والشعوب الأصلية. سنواصل نضالنا حتى تحقيق العدالة”.
كما أدلت الناشطة الحقوقية ندى حسين ملكي بتصريح مطول، قالت فيه لـ”963+”: “تعيين أبو شقرا شكل صدمة في الشارع الكردي. الإدارة الذاتية عبّرت عن رفضها الرسمي، وطالبت بعزله ومحاسبته، لا ترقيته. إنه شخص ارتكب انتهاكات ضد رموز كردية، ولا يمكن قبوله تحت أي مسمى وطني”.
وأضافت: “قرارات من هذا النوع لا تنسجم مع أي مفهوم للمصالحة الوطنية، ولا تمثل سياسة احتواء حقيقية، بل تكريس لتهميشنا. لن نقبل بالتطبيع مع الجلادين”.
وختمت بقولها: “حين تستقر الدولة السورية الجديدة، سنرفع دعاوى قانونية داخلية وخارجية ضد كل من ارتكب جرائم حرب، وسنلاحقهم حتى النهاية. العدالة لا تسقط بالتقادم، والدماء التي سُفكت لن تُنسى”.
اقرأ أيضاً: توقيع اتفاق بين الإدارة الانتقالية و”قسد” لاندماج الأخيرة في مؤسسات الدولة – 963+
خلفية الاتفاق مع “قسد”
التعيين يأتي في وقت حساس تشهده الساحة السورية، حيث كان قد وقّع رئيس الإدارة الانتقالية أحمد الشرع، والقائد العام لـ”قسد” الجنرال مظلوم عبدي، في العاشر من آذار/ مارس الماضي، اتفاقاً يقضي بدمج “قسد” ومؤسساتها ضمن هيكل الدولة السورية، بما يشمل المعابر وحقول النفط والمطار في القامشلي.
وقالت الناشطة ندى حسين في تعليق إضافي إن “الاتفاق بين قسد والحكومة تم برعاية دولية ويهدف إلى منع تمدد إيران وتركيا، لكنه لا يعني وجود ثقة مطلقة، بل توازنات دقيقة”.
وأشارت إلى أن “نقل مظلوم عبدي إلى دمشق كان بهدف ترسيخ الاتفاق، لكن تعيين شخصيات مثل أبو شقرا يقوّض الثقة ويهدد هذا المسار”.
وفي تصريح مقتضب لمصدر عسكري في “قسد”، أكد فيه لـ”963+” أن: “الجرائم لا تسقط بالتقادم، وكل من ارتكب جرائم بحق شعبنا، أياً كان منصبه، سيُحاسب أمام القانون”.










