تجد سوريا نفسها أمام لحظة سياسية مفصلية غير مسبوقة منذ عقود، لحظة تتقاطع فيها أسئلة الدولة والسلطة والهوية مع واقع اجتماعي ممزق وإرث طويل من الاستبداد والحرب. فالدولة التي أنهكتها سنوات النزاع، وتآكلت مؤسساتها، وانقسم نسيجها المجتمعي، تواجه اليوم سؤالاً مركزياً لا يقل خطورة عن أسئلة السلم الأهلي أو إعادة الإعمار: أي نموذج حكم يمكن أن يحفظ وحدة البلاد، ويعيد إنتاج الشرعية، ويؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع؟
في هذا السياق، لم يعد النقاش حول اللامركزية ترفاً فكرياً أو جدلاً أكاديمياً معزولاً، بل بات جزءاً من صلب السجال السياسي السوري حول مستقبل الدولة. وبين من يرى في اللامركزية مدخلًا لإعادة بناء الثقة وتوسيع المشاركة، ومن يخشى أن تتحول إلى بوابة تفكك أو صراع جديد، تتعدد الطروحات وتتشابك المفاهيم، في مشهد يعكس حجم الإرباك الذي يرافق مرحلة ما بعد سقوط النظام.
إشكالية المفاهيم والخلط الاصطلاحي
في مقاربة هذا الجدل، يشير الباحث طارق وطفه إلى أن النقاش الدائر حول اللامركزية يعاني من غموض مفاهيمي واضح، موضحًا في حديثه لـ”963+” أن “اللامركزية الإدارية تعني تقاسم الوظيفة الإدارية فقط بين الحكومة المركزية والوحدات الإدارية المحلية”.
ويقابل ذلك بالفيدرالية، التي يعرّفها بأنها “وضع دستوري يقوم على توزيع وظائف الحكم الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم”.
ويشرح وطفه أن هذا التوزيع في النظام الفيدرالي لا يقتصر على نقل بعض الصلاحيات التنفيذية، بل يمنح الأقاليم سلطات دستورية كاملة، بحيث “يمتلك كل إقليم دستورًا وسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية يحدد الدستور الاتحادي اختصاصاتها”.
كما يلفت إلى أن الأقاليم “تمتلك حق المساهمة في اتخاذ القرارات الاتحادية ذات المنفعة المشتركة، وأهمها العملية التشريعية عبر الغرفة الثانية في البرلمان”.
وفي هذا الإطار، يوضح وطفه أن مصطلحات مثل “اللامركزية الموسعة” أو “اللامركزية السياسية” ما تزال مفاهيم إشكالية، “لم يستقر علم القانون والإدارة على تعريف موحّد لها”، مرجّحًا أنها تُستخدم للدلالة على مدى استقلالية الوحدات الإدارية وسعة صلاحياتها، لا كنماذج دستورية واضحة المعالم.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما يذهب إليه الباحث في قضايا الحوكمة زيدون الزعبي، الذي يصف المشهد الاصطلاحي المتداول بأنه يشهد “خلطاً رهيباً في المصطلحات”.
ويؤكد الزعبي في حديثه لـ”963+” أنه “لا يوجد شيء اسمه لامركزية إدارية أو معدّلة أو موسعة أو سياسية بهذا الشكل المتداول”، معتبراً أن هذه التصنيفات غير دقيقة علمياً.
أنماط اللامركزية وأبعادها
يوضح الزعبي أن اللامركزية، وفق الأدبيات الإدارية والقانونية، تنقسم إلى “ثلاثة أنماط رئيسية: أضعفها اللامركزية الحصرية، وأوسطها التفويض، وأقواها النقل، الذي يتم تنظيمه عبر الدستور والقانون”.
ويرى أن جوهر النقاش لا ينبغي أن ينحصر في التسميات، بل في مضمون الصلاحيات المنقولة وحدودها.
ويحدّد الزعبي ثلاثة أبعاد أساسية تقوم عليها اللامركزية؛ أولها “البعد السياسي المتعلق بمن يمثل المجتمع المحلي: هل هي سلطات منتخبة أم معينة؟، وثانيها البعد المالي المتمثل في قدرة السلطة المحلية على تحصيل الموارد عبر الضرائب والرسوم، وثالثها البعد الإداري المرتبط بتمكين السلطات المحلية من وضع الخطط والموازنات وإجراء التعيينات”.
وفي توصيفه للواقع السوري، يقدّم الزعبي مثالاً عملياً، قائلاً: “اليوم في سوريا المحافظ معيّن، لكنه غير قادر على تعيين مدير للصحة أو السياحة، لأن الوزارة هي التي تتولى التعيين”.
ويضيف: “ولدينا أيضاً مجالس محافظة منتخبة، لكنها بلا صلاحيات مالية أو إدارية حقيقية”، ليخلص إلى أن “النظام في سوريا ما يزال مركزياً إدارياً ومالياً وسياسياً”.
نماذج الحكم بين الإداري والسياسي
من جهته، يوضح السياسي السوري أكرم شمو لـ”963+” الفروق بين نماذج اللامركزية من زاوية سياسية، معتبراً أن “اللامركزية الإدارية تعني نقل صلاحيات خدمية وتنفيذية محدودة إلى الوحدات المحلية، مع احتفاظ السلطة المركزية بالقرار السيادي والتشريعي”.
ويشدّد على أن هذا النموذج “يستهدف أساساً تحسين كفاءة الإدارة دون المساس بوحدة الدولة أو بنيتها السيادية”.
وفي السياق ذاته، يبيّن شمو أن “اللامركزية الإدارية المعدّلة أو الموسعة تمثل نموذجاً وسيطاً يمنح الإدارات المحلية صلاحيات مالية وتخطيطية أوسع، ويعزز دور المجالس المنتخبة، مع بقاء السيادة والقرار السياسي العام موحدين”.
ويُنظر إلى هذا النموذج، بحسب شمو، بوصفه أكثر قدرة على الاستجابة للتنوع المجتمعي، دون خلق صدام سياسي أو تهديد لوحدة البلاد.
أما اللامركزية السياسية، فيشير شمو إلى أنها “تمنح الأقاليم صلاحيات سياسية وتشريعية ودستورية ضمن إطار الدولة الواحدة، وقد تتخذ شكل الفيدرالية أو الحكم الذاتي الواسع”.
ويرى أنها “من حيث المبدأ الصيغة الأكثر عدالة واستدامة لإدارة الدول المتعددة القوميات والمكوّنات”، شريطة أن تُضبط “بدستور واضح ومؤسسات سيادية موحدة تمنع الانزلاق نحو التفكك”.
ما بعد سقوط النظام والواقع السياسي الجديد
في ربطه بين هذا النقاش والتحولات السياسية الأخيرة، يلفت طارق وطفه إلى أن سقوط نظام الأسد الابن فتح الباب أمام صراع رؤى حول شكل الدولة. ويشير إلى أن السلطة الحالية “تميل إلى إقامة نظام مركزي، وترى في الفيدرالية دعوة للتقسيم”، في حين “تنادي سلطات الأمر الواقع الأخرى بالفيدرالية أو اللامركزية وتعتبرهما الحل الوحيد للحفاظ على وحدة سوريا”.
ويحذّر وطفه من أن “إقامة نظام مركزي اليوم، في ظل انعدام أو ضعف الثقة بين الحكومة الحالية وبعض القوى والمكونات والمناطق، قد يهدد البلاد بالحرب الأهلية والتقسيم”.
لكنه في المقابل يرى أن “إقامة نظام لامركزي موسع أو فيدرالي قد يؤدي إلى الفشل في بناء الدولة وإعادة الإعمار، نتيجة ضعف الخبرات السياسية والإدارية، وتفاوت الإمكانات المالية، وحجم الدمار بين المناطق”.
نقاش انفعالي أم مسار مؤسسي؟
بدوره، يربط الكاتب السوري محمد حلاق الجرف تصاعد النقاش حول اللامركزية بسقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، مشيراً إلى أن “عوامل سياسية وأمنية ومجتمعية عديدة دفعت السوريين إلى طرح مسألة اللامركزية على طاولة النقاش”. إلا أنه يرجّح أن هذا النقاش “ما يزال انفعالياً مشحوناً أكثر منه نقاشاً مؤسسياً هادئاً”.
ويحذر الجرف من تقديم اللامركزية بوصفها حلًا سحريًا، موضحًا أن “أشكالها وتداعياتها تختلف اختلافاً عميقاً”، وأن “عدم ضبط المفاهيم قد يفتح الباب أمام سوء الفهم السياسي والجدل المجتمعي غير المنتج”.
التحديات الداخلية والخارجية
وعن التحديات، يحدد وطفه جملة من العوائق، أبرزها “طبيعة السلطة الحالية بوصفها سلطة أحادية الميل ومن خلفية عسكرية لا تثق بالآخر”، إضافة إلى “خطاب الكراهية، والعمليات الانتقامية والإرهابية، وتجذّر الانقسام المجتمعي، وتأخر العدالة الانتقالية”.
كما يشير إلى عوامل خارجية، أبرزها “الصراع الإقليمي والدولي على سوريا وما يستتبعه من تدخلات وهيمنة”، فضلاً عن “إسرائيل التي تسعى إلى بقاء سوريا ضعيفة أو مقسّمة”.
وفي الاتجاه ذاته، يرى الجرف أن “ضعف الدولة، وعسكرة معظم الأطراف الجهوية، وغياب الثقة بين الفاعلين المجتمعيين”، تجعل من الضروري “تعزيز الدولة المركزية، وإعادة بناء الجيش على أسس وطنية، وضمان المواطنة المتساوية وسيادة القانون”، بالتوازي مع “اعتماد لامركزية إدارية معدّلة مدعّمة بصرامة الدستور ووضوحه”.










