بعد عدة أشهر على انطلاق الحراك الشعبي في سوريا عام 2011، تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ومعها برزت ظاهرة المقاتلين الأجانب الذين توافدوا من عشرات الدول، لينظم قسم منهم إلى تنظيمات مختلفة بينها “داعش” و”هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) كما انخرط آخرون في فصائل مدعومة من قوى إقليمية تسعى لفرض نفوذها داخل الأراضي السورية.
وبدأ وجود المقاتلين الأجانب في سوريا بشكل رئيسي مطلع عام 2012 وتصاعد بعد ذلك بشكل كبير حيث قدرت تقارير الأمم المتحدة عدد هؤلاء المقاتلين الذين دخلوا سوريا خلال السنوات الأولى من بدء الحراك الشعبي بأكثر من 30 ألف مقاتل قدموا من 80 دولة حول العالم.
اقرأ أيضاً: مخيم المهاجرين الفرنسيين بإدلب.. بؤرة أمنية تهدد أمن الدولة – 963+
وفي 22 تشرين الأول / أكتوبر الجاري، شنت قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية حملة أمنية داخل “مخيم الفرنسيين” الواقع بالقرب من مدينة حارم بريف إدلب شمال غرب البلاد وذلك بهدف اعتقال قائد “كتيبة الغرباء” التي تتواجد داخل المخيم بقيادة الفرنسي من أصول سنغالية عمر أومسين المتهم بحسب بيان صادر عن وزارة الداخلية بانتهاكات عديدة بينها اختطاف فتاة داخل المخيم وإنشاء “نظام مستقل” عن قانون الدولة.
وأظهرت عدة فيديوهات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي استنفار مقاتلين أجانب في محافظة إدلب دعماً للفرنسي عمر أومسين وهو ما أثار الكثير من التساؤلات حول مدى انضباط هؤلاء المقاتلين وجهات التمويل التي تدعمهم ومدى قدرة الحكومة الانتقالية على السيطرة عليهم وامتثالهم للقوانين المعمول بها بعيداً عن الأجندات العقائدية المتطرفة.
وفي هذا السياق، يقول الناشط الحقوقي عمر الزهري لـ “963+”، إن وجود المقاتلين الأجانب في سوريا لم يكن لدرجة ما ظاهرة عفوية بل تداخلت فيه المصالح الاستخباراتية للعديد من الدول الإقليمية والعالمية حيث تم استخدام بعض الجماعات كأدوات ضغط سياسي كما يمكن الحديث في هذا الإطار عن قنوات تمويل وتسليح غير مشروعة مما يشكل تأثيرات أمنية عابرة للحدود وأيضاً قد يزيد من حدة التوترات في العلاقة بين الدول وهو ما تخشى منه الحكومة السورية الجديدة.
والمعضلة الأكثر أهمية وتعقيداً في ملف المقاتلين الأجانب المتواجدين داخل الأراضي السورية تتمثل، بحسب الزهري، في كيفية تعامل الحكومة السورية معهم بما يتلاءم مع القانون الدولي يضاف إلى ذلك قضية أطفال وعوائل هؤلاء المقاتلين الذين قام العديد منهم بالزواج من نساء يحملن الجنسية السورية مما يزيد من التعقيدات الإنسانية والقانونية في هذا الإطار.
وعلى امتداد السنوات الماضية، أشارت العديد من التقارير المحلية والدولية إلى أن حوالي 70 بالمائة من المقاتلين الأجانب يتواجدون في محافظة إدلب شمال غربي سوريا كما تصاعد تواجدهم في محافظتي دير الزور والرقة شرقي البلاد خلال فترة سيطرة “داعش” على المنطقة. وشهدت مناطق جنوب سوريا في درعا والقنيطرة وجوداً للمقاتلين الأجانب خلال فترات معينة سابقة.
اقرأ أيضاً: إحياء الموانئ السورية.. المطلوب استقرار محلي وتمويل دولي – 963+
ويوضح الكاتب والصحفي أشرف الخطيب، أن” قضية المقاتلين الأجانب باتت تشكل تحدياً ليس سهلاً للحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، فقد انضم العديد منهم إلى صفوف الجيش السوري لكن في الوقت نفسه يواجه آخرون صعوبة في الاندماج داخل المجتمع السوري أو العودة إلى بلدانهم الأصلية”.
ويؤكد في تصريحات لـ”963+”، أن ما حدث قبل عدة أيام في “مخيم الفرنسيين” بريف إدلب ينذر بخطر كبير خاصة مع وجود المقاتلين الأجانب الفرنسيين أو غيرهم من تركستان وإيغور بأعداد كبيرة داخل منطقة لا تخضع بشكل قوي للحكومة السورية بل هناك هيمنة من قبل فصائل معارضة الأمر الذي يجعل الأوضاع الأمنية والسياسية بالغة الحساسية سواء من جهة الحكومة السورية الجديدة أو المجتمع الدولي والدول الكبرى.
ويشدد الخطيب على أن الحلول في معالجة هذه الظاهرة تتطلب تعاوناً دولياً يتصف بالجدية من خلال تعزيز الحلول السياسية المحلية التي تضع مصلحة السوريين على اختلاف مكوناتهم في المقام الأول بالتالي منع زيادة حدة وتغذية الصراع بالوكالة أو تعميق الانقسام داخل المجتمع المحلي.










