تحوّل مخيم المهاجرين الفرنسيين الواقع على قمة تل في منطقة حارم شمال إدلب إلى ساحة اشتباكات عنيفة خلال الأيام الماضية، بعد سلسلة من الأحداث فجّرت الوضع الأمني في واحدة من أكثر مناطق الشمال السوري حساسية وتعقيداً.
المخيم الذي يضم قرابة 10 آلاف شخص من المقاتلين الأجانب وعائلاتهم، أبرزهم فرنسيون وأوزبكيون وشيشانيون، أصبح محور مواجهة مفتوحة بين قوات الأمن السورية ومقاتلين أجانب بقيادة الفرنسي عمر أومسين المعروف باسم عمر ديابي، قائد فرقة الغرباء.
الشرارة الأولى: اختطاف الطفلة الفرنسية ميمونة فرستاي
بدأت الأزمة عندما أقدم عناصر من داخل المخيم على اختطاف الطفلة الفرنسية ميمونة فرستاي ووالدتها، في حادثة فجّرت غضباً داخل المخيم. وسرعان ما انضمت مجموعات أوزبكية إلى جانب المقاتلين الفرنسيين دفاعاً عن ذويهم، فتحولت المنطقة إلى ساحة اشتباكات متقطعة.
ويقول العقيد الركن خالد المطلق، الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية والإرهاب، لـ”963+” إن “الشرارة المباشرة للتوتر جاءت عندما حاولت قوى الأمن الداخلي السوري اقتحام المخيم واعتقال عمر أومسين المتهم بالخطف والابتزاز المالي”، مضيفًا أن “رفض أومسين تسليم نفسه وتحريضه لعناصره على المواجهة حوّل المخيم إلى جيب أمني مغلق يهدد استقرار المنطقة برمتها”.
العملية الأمنية ومحاولة اعتقال عمر أومسين
خلال العملية الأمنية، واجهت القوات مقاومة عنيفة من داخل المخيم، حيث استخدم المسلحون الأسلحة الخفيفة والمتوسطة ومنعوا دخول القوة المكلفة بالاعتقال. وأكد شهود من المنطقة أن أومسين استخدم المدنيين كدرع بشري، فيما اتهم السلطات بأن العملية “مؤامرة غربية تستهدف المجاهدين الفرنسيين”.
ويعلّق المطلق على ذلك بالقول: “مشكلة هذا المخيم لا تتعلق فقط بعناصر مسلحة خارجة عن القانون، بل في كونه تجمعًا جهاديًا أجنبيًا ذا بعد دولي يضم مقاتلين مصنفين إرهابيين في فرنسا والولايات المتحدة. وهذا ما يجعل التعامل معه أمنياً وسياسياً بالغ الحساسية ويمنح الأزمة بُعداً دولياً معقداً”.
جذور أيديولوجية وجهادية عميقة
الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان يرى أن جذور هذه الظاهرة تمتد إلى السنوات الأولى من الثورة السورية عام 2011، حين “شهدت البلاد استحضاراً إيديولوجياً وجهادياً عالياً في مواجهة الاستحضار الطائفي والإيديولوجي الذي مارسته إيران بدعم النظام السابق”.
ويضيف علوان لـ”963+” أن “النظام البائد استخدم هذا البعد الأيديولوجي عمداً عندما أطلق سراح عدد من الجهاديين من سجن صيدنايا في بداية الثورة، في محاولة لتشويه المطالب المدنية وتحويل المشهد إلى صراع ديني متطرف”.
ويتابع: “بهذا المعنى، لم تكن سوريا فقط ساحة صراع سياسي، بل بيئة جذب للفكر الجهادي العابر للحدود الذي تدفق إليها من أوروبا وآسيا الوسطى وأفريقيا، ما جعل إدلب لاحقاً مركزاً لتجمعات أجنبية متشددة”.
تضامن أوزبكي وشيشاني واتساع رقعة التوتر
مع تصاعد الاشتباكات، أعلن مقاتلون من أوزبكستان والشيشان استعدادهم للدفاع عن “إخوانهم الفرنسيين”، ما وسّع دائرة المواجهة ورفع منسوب القلق لدى القوى المحلية.
ويشير العقيد المطلق إلى أن “هذا التضامن بين المقاتلين الأجانب يكشف عن شبكة ارتباط أيديولوجي متينة، قادرة على التحوّل إلى تحالف عسكري مفاجئ يهدد توازن القوى داخل إدلب”.
أما علوان فيرى أن هذه الظاهرة “ليست جديدة، فالفصائل الأجنبية في إدلب، من فرقة الغرباء إلى الحزب الإسلامي التركستاني، تمتلك ولاءات متباينة وهياكل مستقلة تجعلها عقبة أمام أي مشروع وطني أو عملية دمج في مؤسسات الدولة المستقبلية”.
توازن القوى وتعقيدات المشهد الإدلبي
في ظل هذا المشهد، تتخذ “هيئة تحرير الشام” موقع المراقب الحذر. فبحسب مصادر محلية، فضّلت الهيئة عدم التدخل المباشر في الاشتباكات خشية انفجار صراع أوسع.
ويقول علوان في هذا السياق إن “العلاقة بين الهيئة والفصائل المحلية الأخرى تطورت باتجاه إدارة مدنية أكثر اتزاناً، في محاولة للانتقال من الحالة الفصائلية إلى نموذج الدولة، لكن هذا المسار يواجه مقاومة من بقايا التنظيمات الجهادية التي ترى في هذا التحول تهديداً لهويتها العقائدية”.
أما من الناحية الأمنية، فيؤكد المطلق أن مخيم الفرنسيين يمثل تحدياً مزدوجاً: “فهو من جهة يضم مقاتلين أجانب متشددين، ومن جهة أخرى يقع في موقع جغرافي حساس قرب الحدود التركية، ما يجعل أي عملية عسكرية شاملة محفوفة بالمخاطر خشية إثارة توترات مع أنقرة أو القوى الدولية”.
ويضيف أن “الوجود التركي في المنطقة يقيّد خيارات التصعيد ويضغط في الوقت نفسه باتجاه تفكيك البؤر الجهادية القريبة من الحدود حفاظاً على الاستقرار”.
اختبار للسلطات المحلية واستراتيجيات الاحتواء
تؤكد مصادر أمنية أن العملية العسكرية تستهدف عمر أومسين ومجموعته تحديدًا دون المساس بالعائلات أو المدنيين في المخيم.
ويقول المطلق إن “السيناريو المرجّح هو الاحتواء التدريجي والتفكيك المنضبط عبر استهداف الجرائم الجنائية مثل الخطف والابتزاز بدل المواجهة الشاملة، بما يضعف قبضة أومسين دون تفجير الميدان”.
من جانبه، يوضح علوان أن “الدولة اليوم تتّبع سياسة المرونة والاحتواء في التعامل مع التنظيمات الجهادية الصغيرة، كما حدث في اتفاق مخيم حارم، لكنها في الوقت ذاته مضطرة لاستخدام الحزم متى اقتضت الضرورة كي لا يتحول استعصاء مجموعة إلى نموذج يُحتذى”.
تحديات بناء الدولة والاستقرار
يرى علوان أن المرحلة الراهنة تمثل “فترة انتقال معقدة من الحالة الفصائلية إلى حالة الدولة المستقرة”، موضحاً أن “الانتقال لن يكون سلساً أو سريعاً، بل يحتاج إلى تدرج وتكيّف تكتيكي لتحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في إنهاء الحالة الجهادية”.
ويوافقه المطلق الرأي، معتبراً أن “إدلب تواجه تهديداً أمنياً هيكلياً يتمثل في بقاء الفصائل الأجنبية بهياكل عابرة للحدود، وهو ما يجعل أي مسار للدمج أو إعادة بناء المؤسسات الأمنية مستحيلاً دون تفكيك أو ترحيل هذه الكيانات”.
ويختم علوان بالقول إن “المجتمع الدولي يدرك أن تفكيك التنظيمات الجهادية ودمج الفصائل ضمن الدولة أصبح مطلباً دولياً وضرورة داخلية في الوقت نفسه، ويتطلب تدرجاً ووعياً مجتمعياً كي لا تتحول عملية الدمج إلى قنبلة مؤجلة”.
ويبدو أن مخيم المهاجرين الفرنسيين في إدلب تجاوز كونه تجمعاً معزولاً ليغدو مرآة لصراع أوسع بين مشروع الدولة ومحاولات التمدد الأيديولوجي العابر للحدود.
وبينما تواصل السلطات سعيها لضبط الأمن وتفكيك البؤر المتشددة دون إشعال مواجهة مفتوحة، يرى الخبراء أن مستقبل إدلب سيتحدد بقدرتها على إدارة هذا الملف بحذر استراتيجي ومرونة تكتيكية، في معركة طويلة بين منطق الدولة ومنطق الجماعة.










